تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا..دولة الصرافين!

(عدن الغد) خاص:

تقرير يبحث في أسباب انهيار الريال في المحافظات المحررة ونتائجه السلبية والحلول الممكنة لإيقاف تدهوره..

لماذا يتهاوى الريال سريعا في المحافظات المحررة وما دلالات ذلك؟

من المسئول عما يحدث للعملة في المناطق المحررة؟

هل المشكلة في غياب الدولة ونهب الإيرادات وسحب الصرافين البساط من تحت الدولة؟

ما دور التحالف والحكومة والبنك المركزي في ما يحدث؟

كيف انكشفت السياسات الخاطئة للبنك المركزي التي كان أولها قرار التعويم؟

هل الحل في الودائع المقدمة من التحالف أم بتشغيل المصافي وفتح الموانئ البرية والبحرية والجوية؟

السقوط الحر والحلول الترقيعية.. إلى متى؟!

تقرير/ ماجد الكحلي:

اضطرت السلطات النقدية في الحكومة اليمنية الشرعية إلى اتخاذ قرارات جديدة موجعة من أجل حماية الريال المنهار الذي لم يتمكن من الصمود رغم الإجراءات التي تم اتخاذها طيلة الأسابيع الماضية.

وقرر البنك المركزي اليمني في عدن تعليق كافة عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية في سوق الصرف بمحافظات الجنوب بعد الانحدار الحاد والمتسارع في قيمة العملة المحلية.

وكشف المتحدث الرسمي باسم جمعية صرافي عدن صبحي باغفار لوكالة رويترز أن الجمعية وجهت، بناء على تعليمات البنك المركزي اليمني، شركات ومحلات الصرافة وشبكات التحويل المالية المحلية بوقف نشاطها.

كما قررت وقف عمليات بيع و شراء العملات الأجنبية في مؤسسات القطاع المصرفي والبنوك التجارية حتى إشعار آخر، وتعليق العمل في كافة شبكات الحوالات المالية لدى شركات الصرافة وبين المحافظات.

وقال باغفار "هذه الإجراءات هي محاولة لوقف التدهور المتواصل في قيمة العملة المحلية المتداعية".

تهاوي الريال.. من المسئول؟!

وشهدت الأسواق في عدن ومحافظات الجنوب موجة غير مسبوقة من الغلاء وزيادة حادة في أسعار كافة السلع الغذائية بما ينذر بكارثة اقتصادية.

وهبطت العملة اليمنية هبوطا حادا لتصل إلى أدنى مستوى على الإطلاق أمام الدولار في تعاملات سوق الصرف غير الرسمية الخميس الماضي بمدينة عدن الساحلية، ليلامس الدولار حاجز 1100 ريال وذلك للمرة الأولى منذ بدء الحرب.

وتتسع مخاوف المحللين والمنظمات الدولية يوما بعد يوم من أن تُسّرع حرب العملة المشتعلة منذ أسابيع بين الشرعية وجماعة الحوثي من الانهيار الشامل لاقتصاد بلد أكثر من نصف سكانه على حافة المجاعة.

وهذا أسوأ انهيار لقيمة الريال في تاريخه ومنذ بدء الحرب في البلاد قبل أكثر من ست سنوات. لكن أسعار صرف الريال في العاصمة صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بشمال البلاد لا تزال ثابتة ومستقرة عند 600 ريال للدولار.

هيمنة الصرافين على القطاع المصرفي

وقال متعاملون إن بعض شركات ومحلات الصرافة في عدن تقوم بشراء الدولار بالسعر الرسمي المحدد من البنك المركزي لكنها تمتنع عن بيع العملات الأجنبية بنفس السعر، خاصة الدولار والريال السعودي، فيما تواصل شركات أخرى شراء العملات الأجنبية من عملائها بسعر السوق السوداء المرتفع عن السعر الرسمي.

وأكد خبراء اقتصاديون ان محلات الصرافة قد كثرت وانتشرت في شوارع بل وأزقة محافظة عدن، حتى أنك لا تمر بشارع إلا وتجد شركة صرافة أو صرافا صغيرا على الأقل فضلا عن وجود بعض سماسرة العملة، وتساءل الخبراء ما معايير فتح محل صرافة؟! وما الفائدة من كثرتها إلا سحب العملة الصعبة والمضاربة فيها!.

انهيار العملة ينذر بكارثة اقتصادية

وحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار انهيار الريال سينتج عنه "كارثة اقتصادية" تلقي بظلالها على الحركة التجارية في البلاد مما يمثل عبئا كبيرا على اليمنيين.

بينما حذرت منظمات إغاثة دولية ووكالات تابعة للأمم المتحدة من أن الاقتصاد اليمني "يقف على حافة الانهيار".

ويأتي انهيار الريال متزامنا مع أول يوم لتنفيذ قرار جمعية الصرافين في عدن جنوب اليمن إيقاف جميع عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية في سوق الصرف في محافظات الجنوب، ووسط إجراءات فرضها المصرف المركزي اليمني على قطاع الصرافة بالعملات الأجنبية لوضع حد للتدهور الحاد المستمر للعملة المحلية.

وخسر الريال اليمني أكثر من ثلاثة أرباع قيمته مقابل الدولار منذ اندلاع الحرب مطلع 2015.

وتسبب ذلك في زيادات حادة للأسعار وسط عجز الكثير من اليمنيين عن شراء سلع أساسية لتزيد الأوضاع المعيشية للمواطنين تفاقما، خصوصا مع توقف صرف أجور الموظفين الحكوميين منذ أكثر من 4 سنوات في المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثيين في شمال اليمن.

أسباب تدهور الريال اليمني

خلص خبراء وأكاديميون ورجال مال وأعمال في اليمن إلى أن أبرز مسببات تدهور صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية يعود إلى جملة من العوامل الاقتصادية والسياسية، وأسباب أخرى مرتبطة بالحرب المشتعلة في البلاد منذ أكثر من 6 سنوات.

وقال المختصون والخبراء إن من أبرز مسببات تدهور سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية هو تزايد الفجوة بين العرض والطلب من العملات الأجنبية في السوق بسبب زيادة الطلب على العملة الناتج عن زيادة الطلب على السلع المستوردة لأسباب من أهمها زيادة عدد السكان، وضعف الإنتاج المحلي، والمضاربة في العملة، والشلل في التحكم في السوق بسبب ضعف البنك المركزي وتقسيمه بين عدن وصنعاء.

يضاف إلى ذلك الحرب القائمة في البلاد منذ أكثر من 6 سنوات والاضطرابات السياسية واستخدام العملة والاقتصاد وسيلة من وسائل الحرب بين أطراف الصراع المختلفة، بالإضافة إلى ما أحدثته هذه الحرب من تأثير سلبي على مستويات الإنتاجية وعلى الاستثمار، مما أدى إلى تراجع هائل في المنتوج الاجتماعي الإجمالي لاقتصاد البلاد.

ورأى المختصون من خلال حلقة نقاش عن بُعد نظمتها رابطة الاقتصاديين وشارك فيها نحو مئة من الخبراء والباحثين ورجال مال وأعمال، أن إيقاف إنتاج وتصدير النفط والغاز تسبب في ضعف موارد البلاد من النقد الأجنبي، ونضوب رصيد الدولة من العملات الصعبة، وفقدان كثير من موارد النقد الأجنبي مثل توقف القروض والمنح والمساعدات، وضعف تحويلات المغتربين، وتوقف الاستثمار الأجنبي، وهجرة رؤوس الأموال إلى الخارج بسبب الاضطرابات السياسية في البلاد منذ عام 2011.

وذهب المختصون إلى أن من أسباب تدهور العملة المحلية هو عدم قيام البنك المركزي اليمني بمهامه في مجال تحديد سعر الصرف وترك أمر تحديده لصالح السوق غير النظامية مثل محلات ومؤسسات الصرافة، مع ضعف التنسيق مع البنوك التجارية والبنوك الإسلامية، وكذلك تخلي البنك المركزي  عن توفير النقد الأجنبي لتمويل احتياجات الاستيراد، وعدم قيام الإدارة العليا في البنك المركزي -عدن- بالمهام المناطة بها.

وانقسمت الإدارة العليا للبنك المركزي إلى 3 إدارات (الإدارة العليا الرسمية في عدن، والإدارة العليا بصنعاء المعينة من قبل سلطة الأمر الحوثية، والثالثة في محافظة مأرب)، وبالتالي انعدام وجود سلطة وإدارة عليا واحدة ومركز واحد لاتخاذ القرار في مجال السياسة النقدية عموما وسياسة سعر الصرف خصوصا، وهو ما يؤثر بشكل كبير على تدهور صرف العملة، إلى جانب غياب تأثير السياسة النقدية وأدواتها الخاصة بالتدخل في ضبط سعر الصرف ووقف تدهوره.

ويتفاوت سعر صرف الريال اليمني من منطقة لأخرى بسبب تقاسم السيطرة على المناطق بين الحكومة وجماعة الحوثي، وتشكل فوارق الصرف نسبة كبيرة جدا، الأمر الذي أحدث فجوة كبيرة لاسيما مع فرض مليشيات الحوثي رسوما كبيرة على الحوالات النقدية من عدن إلى صنعاء وبنسبة تقارب 40%، معللة ذلك بأنه فارق سعر الصرف للدولار الواحد

كما عمد الحوثيون إلى اتخاذ جملة قرارات خصوصا بعد نقل إدارة البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، بهدف وضع الحكومة في موضع الفشل كما يقول عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة عدن الدكتور محمد عمر باناجة، حيث أقرت جماعة الحوثي بعدم اعتماد النقود من المطبوعات الجديدة، الأمر الذي ضاعف من مسألة المضاربة على طبعات النقود القديمة وعملت على استنزاف الطبعات القديمة من أسواق المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة، مما قاد إلى فجوة في أسعار الصرف بين صنعاء وعدن.

الأمر الذي دفع الحكومة الشرعية إلى إغراق السوق بمطبوعات نقدية جديدة لمواجهة التزاماتها دون أحكام، في حين ظلت الموارد المحلية والمركزية تحصّل وتودع خارج القنوات الرسمية، مما ضاعف من تدهور قيمة الريال في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

الحلول الترقيعية ونتائج قرار التعويم

ويأتي هذا التهاوي المتسارع للريال رغم تقديم الحكومة الشرعية حلولا أقل ما يقال عنها إنها حلول ترقيعية منها إغلاق عدد كبير من محلات الصرافة غير المرخص لها والمتهمة بالمضاربة بالعملة في الأسبوعين الماضيين، من بينها 150 محلا أغلقت في تعز وحدها.

وحررت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في عدن سعر صرف الريال عام 2017 وأصدرت توجيهات للبنوك باستخدام سعر الريال الذي يحدده السوق بدلا من تثبيت سعر محدد.

هل الحل بيد الانتقالي؟

ويرى مراقبون أن المجلس الانتقالي لا يملك قدرة حل مشكلة انهيار العملة الحاصل، وان ذلك فوق طاقته وقدرته.

واشاروا أنه لن يستطيع أن يحل قضية تدهور سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية لأن المسألة فوق طاقته وقدرته.

واكدوا أنه لا حل إلا بإسقاط منظومة الفساد والإفساد والسيطرة على الأرض والموارد واستعادة الدولة أولا ومن ثم تثبيت سعر عملتها.

الحلول المتاحة

يرى خبراء اقتصاديون شاركوا في حلقة النقاش أن خلق نوع من الاستقرار المعقول في سعر صرف العملة اليمنية مقابل العملات الأجنبية يكمن في استعادة الثقة بالبنك المركزي من جهة، والبنوك التجارية من جهة أخرى، وتعزيز العلاقة بينهما ورجال الأعمال، وذلك بالسماح لرجال الأعمال بالوصول إلى ودائعهم والسحب منها بحرية طالما السحوبات في الإطار المسموح به.

ويقول المدير العام للموارد في وزارة الحكم المحلي صالح الجفري إن على البنك المركزي وبالتنسيق مع البنوك التجارية والإسلامية تفعيل السياسات النقدية اللازمة لجذب الودائع بالعملات الأجنبية إلى الجهاز المصرفي لتعزيز موقف الريال مقابل العملات الأجنبية، ويرى الجفري ضرورة تحييد الاقتصاد عن الحرب والسياسة، وإيجاد سلطة بنك مركزي واحدة، وإعادة تنشيط المنظومة المصرفية تحت إدارة البنك المركزي لضبط سوق الصرف الأجنبي.

ويرى الخبراء أنه يجب تعزيز موارد البلاد من النقد الأجنبي عن طريق إعادة إنتاج وتصدير النفط والغاز، وتوريد قيمة المبيعات إلى حسابات البنك المركزي- التي توقفت منذ 6 سنوات-، وضرورة توريد الموارد السيادية وغيرها من موارد النقد الأجنبي من المصادر المختلفة إلى البنك المركزي لدعم رصيد البنك من العملات الأجنبية، وهو ما سيسهم في دعم موقف الريال اليمني في السوق وخلق حالة من الاستقرار لإيقاف نزيف العملة.

كما يجب تنظيم نشاط محلات الصرافة وتعزيز الرقابة على نشاطها وفقا للقانون، كما يقول الدكتور حاتم باسردة رئيس قسم اقتصاد الأعمال بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة عدن، والحد من المضاربة غير المشروعة بالعملة، والتوقف عن طباعة أي عملات جديدة للريال دون وجود غطاء رسمي، وتأمين الاستيراد وذلك بتوفير رصيد دائم في البنك المركزي.

ويدعو الدكتور محمد باناجة إلى تشجيع الإدارات المركزية للبنوك التجارية والاسلامية الموجودة في صنعاء على نقل مركز عملياتها المصرفية إلى العاصمة المؤقتة عدن، وذلك باستخدام أساليب الترغيب وتقديم الحوافز القانونية لها، وأن تطلب تقديم المغريات لها من خلال أدوات السياسة النقدية المباشرة وغير المباشرة.

ويرى الباحث الاقتصادي صالح الجفري ضرورة أن يتم توريد مرتبات المسؤولين وضباط وأفراد القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة التي تصرف بالنقد الأجنبي إلى البنك المركزي، ومن ثم يقوم البنك المركزي بصرفها لمن هم في الداخل بالريال اليمني بسعر صرف متفق عليه.

وأشار تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن الأربعاء الماضي، إلى أن الريال في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا فقد ما يزيد على 36 في المئة من قيمته خلال عام، مما تسبب في ارتفاع الأسعار.

وذكر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، في تقرير أصدره مؤخرا، أن الأسعار ارتفعت بنسبة 200 في المئة منذ بدء الحرب في اليمن.

ويواجه اليمن، الذي يعاني أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفقا للأمم المتحدة، ضغوطا وصعوبات مالية واقتصادية غير مسبوقة بسبب تراجع إيرادات النفط، التي تشكل 70 في المئة من إيرادات البلاد، وكذلك توقف جميع المساعدات الخارجية والاستثمارات الأجنبية وعائدات السياحة.