المشاريع الصغيرة.. نافذة لصناعة السلام و التغلب على آثار الحرب (تقرير)

تقرير: ريم الفضلي

جهاد محمد و علي الواسعي، زوجين من محافظة صنعاء، بدأت قصة صناعة حلمهما الذي تكلل بنجاح اقل ما يقال عليه انه مرضي لكلاهما وللعملاء، حيث كانت البداية مع قيام جهاد محمد بممارسة التصوير كمهنة بعد أن كان شغفا تعبر من خلاله عن ما تراه عينها. بعدها خاضت غمار تجربة تصوير حفلات الأعراس والمناسبات، ولم يقتصر النجاح الذي صنعته في بدايتها على مدينتها التي تقطن فيها بل ذاع صيت جهاد على ربوع اليمن قاطبة.

جتمع هدف الزوجين محمد و الواسعي على نفس الطاولة ليتكون بعد اصرار وعزيمة واقعا كان بالأمس مجرد حلما كبقية الأحلام. وفتح الشريكين مشروع " Spotlight Production" وهو استوديو للتصوير والانتاج المرئي والاعلان.

ولولا إصرار الشابين وعزيمتهم الجبارة  لما كان من السهل تحقيق هذا الحلم في ظل الأوضاع التي تمر بها اليمن منذ سنوات.

انهيار اقتصادي كبير

خلفت الحرب الجارية في اليمن على مدار أعوامها الستة آثارا كارثية عادت بنتائج مأساوية على الغالبية العظمى من الشعب اليمني، فمع بداية الأزمة في العام 2014 و احتدامها في العام 2015، تم تعليق صادرات النفط و استنزاف الاحتياطيات وخلق أزمة في السيولة النقدية المحلية و ارتفعت على إثرها أسعار الواردات، كما انخفضت القوة الشرائية للأفراد بسبب انخفاض قيمة الريال اليمني.

ونتيجة لكل هذه الآثار تقلص الناتج الاقتصادي بنسبة تراكمية بلغت 40.5% منذ عام 2015 حتى العام 2018  بحسب"مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية".

وكما وذكر المركز ان هذه الآثار وضعت 60% من اليمنيين عاطلين عن العمل، حيث بلغت نسبة تسريح العمال 55% من إجمالي القوة العاملة، بينما أكثر من ربع شركات القطاع الخاص العاملة في الصناعة والتجارة والخدمات توقفت عن العمل.

وبالرغم من  الانهيار المفجع في البنية التحتية للاقتصاد المحلي في البلاد، الا ان عدد كبير من اليمنيين لم يستسلموا للوضع الراهن و خلقوا من صلب معاناتهم امل لمجابهة الحرب وصناعة مستقبل يكفل حقهم بالعيش الكريم.

المشاريع اليمنية الصغيرة

صنع العديد من اليمنيين في مختلف القطاعات من معاناتهم طريقا للنجاة من مشنقة الحرب الظالمة، وبداو في صناعة مشاريعهم الخاصة. 
تراوحت تلك المشاريع بين المتوسطة و الصغيرة كما يصفها الخبراء، الا ان الغلبة الكبرى كانت للمشاريع الصغيرة التي أصبحت جزء من كل بيت يمني الا ما ندر.

الأكاديمي والخبير الاقتصادي د. يوسف سعيد احمد، يؤكد ان "التزايد في المشاريع الصغيرة سببه الحرب التي أدت الى تعطيل الحياة الاقتصادية وتعرض المشروعات الكبيرة للضرر بسبب تسريح عدد كبير من العمالة، و اتجهوا للعمل في المشروعات الصغيرة بعد ان فقدوا أعمالهم في المصانع التي اما قصفت او اغلقت أعمالها  نتيجة تواجدها في مناطق الاشتباكات."

و يؤكد د. احمد: "ان الكثير من العمال اتجهوا الى العمل في المشاريع الصغيرة بالأخص تلك الأعمال الجوالة "المتنقلة". وهذه المشاريع الصغيرة على قدر كبير من الاهمية لانها  تشكل ما نسبته ٦٠ % من الناتج المحلي الإجمالي  وتشغل أعداد كبيرة من العمالة وهذا دليل على دورها الايجابي  الاقتصادي والاجتماعي."

36% من السكان يتفقون على أن للمشاريع الصغيرة دور في التنمية والدعم الاقتصادي. وجاء 56% من الآراء أن المشاريع الصغيرة تُساهم في مكافحة الفقر والبطالة وذلك بحسب استطلاع  اجرته صحيفة "صوت الامل" التابعة لمركز "يمن انفورميشن سنتر للبحوث والإعلام" استهدف 70% ذكور و 30% إناث، من مختلف الفئات العمرية ومختلف المحافظات اليمنية، حول المشاريع الصغيرة.

حلم الامس يصنع قصة نجاح اليوم

وعن هذا الحلم الذي أصبح واقع في حياة الزوجين،  تقول جهاد: "مشروعنا بدأناه أنا وعلي زوجي في شهر ١١ عام ٢٠١٨. اشتغلنا في نادي الأعمال اليمني تطوعيا لمدة سنة، ثم منحونا مساحة في البدروم افتتحنا فيها المكتب واشتغلنا لمدة سنة، ولم نكن ندفع ايجار في البداية لكن كانت مخصصة لهم نسبة من أي عمل وهذا يعتبر دعم ولو بشكل بسيط."

و تضيف محمد: "كانت أصعب فترة ممكن حد يفتح مشروعه فيه، حيث تزامنت مع فترة ارتفاع الدولار في صنعاء الى ٧٠٠ ريال، وبما انه كل ادواتنا نشتريها احنا بالدولار كانت هذه مشكلة بالنسبة لنا، ومع هذا بدأنا في المشروع بتخوف لكن فتحنا وطورنا المشروع ولنا اربع سنيين في تطور دائماً واشترينا ادوات كثيره واشتغلنا لجهات كبيرة واستطعنا منافسة أسماء كثيرة كانت قبلنا في السوق، ومع العمل الدائم  لا زلنا نسعى الى التطوير و وضع بصمة خاصة بنا في عالم الإنتاج و التصوير."

ولا ننكر ان هناك عقبات كثير تواجه اصحاب المشاريع في ظل هذه الاوضاع التي تعصف في البلاد. 
تواصلنا مع  د.محمد سعيد كمبش، أستاذ محاضر بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، للحديث عن كيفية التعامل مع هذه المشاكل، ومن جانبه قدم د. كمبش عدد من النصائح الاقتصادية التي يجب على أصحاب العمل في المشاريع الصغيرة اتباعها.
تلخصت في: "يجب عليهم المحافظة على أموالهم من التآكل. او المحافظة على مال التأسيس على الأقل عند وقوع أسوأ الاحتمالات. حيث يعد الاستثمار في اقامة المشاريع أحد أشكال تنمية المال الذي يؤمن منه دخل حقيقي  لرأس المال، وهذا الاحتمال هو واحد من الاحتمالات التي يمكن أن يتحمله صاحب المشروع في الفترة القصيرة جدا ثم يعود المشروع الى حالته العادية."

ويضيف:  في حال كانت العودة غير ممكنة يكون المشروع بمرحلة مخاطر وخسائر غير محتملة فتجري تصفيته مالياً، وفي ظل اقتصاد مضطرب تصبح التصفية بداية قلق لحائزي الأموال، الذي يتمثل في كيف يستطيعون المحافظة على أموالهم بعد التصفية، ولا يكون أمامهم سوى الاستثمار في رؤوس الأموال التجارية ذات دورات النشاط القصيرة  والقصيرة جدا.

و يكمل د.كمبش حديثه قائلا: "لكن كما نسمع ونشاهد حتى مشروعات الدورة القصيرة  تتعرض لانتهاكات ومعاملات لا يقرها القانون بل جماعات الضغط والمصالح، مما يضيق على أصحاب المشاريع ممارسة الأعمال وتحقيق الارباح، وباستمرار هكذا معاملة سوف يفقد الاقتصاد آخر المشاريع على قيد الحياة، وحينها يصح القول أن الاقتصاد منهار ومن المؤكد ليس هناك أحد يرغب بمشاهدة كل المشاريع وهي تنهار. وهنا  على أصحاب المشاريع والعاملين فيها تكوين نقابات مشتركة تكافح وترفع الصوت كي لاتنهار المنشآت التي تجمعهم وتوفر لهم سبل العيش المقبول وتوفر للمستهلك سلعا وخدمات بأسعار أقل من الاستيراد."


تأثير المشاريع الصغير على الاقتصاد في ظل الحرب

بعد ان خيمت الحرب على اليمن و القت بظلالها على الجانب الاستثماري، وضعت أمام المشاريع الكبيرة عقبات جمة حالت دون قيامها، لكنها لم تقف عائقا في طريق المشاريع الصغير التي وصفها الخبراء بأنها أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الحاصلة في البلاد، كون المشروع الصغير يسهل  انتقاله من مكان الى آخر وبذلك فهو يتميز بالمرونة من حيث التكيف مع الظروف الاقتصادية والأمنية الحاكمة.

و للحديث عن تأثير هذه المشاريع على اقتصاد اليمن، يقول د. يوسف: "المشاريع الصغيرة تلعب دورا مهما في الاقتصاد وفي توفير الخدمات في كافة القطاعات بما في ذلك قطاع خدمات السيارات وأعمال الورش الصغيرة والتي تلبي بخدماتها المقدمة احتياجات الناس .في البلدان الاخرى النشيطة في مجال الصادرات تشكل صادرات المشاريع الصغيرة أكثر من ٣٠% من قيمة الصادرات."

ويضيف: "أما في بلادنا فإن المشروعات الصغيرة تنشط في تلبية  الاحتياجات المحلية وتقديم الخدمات. ومن هذا المنطلق فإن المشروعات الصغيرة في مجال الخدمات والتجارة والبناء والأعمال الهندسية وفي مجال الالكترونيات وبيع وصيانة المحمول وكل هذه الأعمال في الوقت التي خلقت فرصة لتشغيل العمال في لها آثار اقتصادية ايجابية بدون شك."

من جهته قال د.محمد كمبش، انه يوجد أثران يعدان من أهم تأثيرات المشاريع الصغيرة على الاقتصاد، اولها انها تملك مخرجات تسهم في زيادة الإنتاج والسلع في الأسواق وكذا ارتفاع الدخل الكلي بالاقتصاد مثلها في ذلك مثل المشاريع الكبيرة مع فارق أن مخرجات المشاريع الكبيرة تكون كبيرة/. كذلك أنها تمكن أصحابها من الحصول على دخل شخصي يجري تقسيمه الى قسمين. يستخدم قسما منه في الإنفاق على متطلبات الحياة أما الباقي فهو المدخر والذي قد يجري توظيفه كله في زيادة نشاط المشروع الصغير ومن ثم زيادة مخرجات المشروع والاقتصاد عموما.

تحركات داعمة للمشاريع

بحسب تقرير نشرته "تريسي فيينينغز" مديرة مشروع الاستجابة الطارئة للأزمة في اليمن، أن البنك الدولي دخل  في شراكة عام 2016 مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في اليمن، من خلال مشروع الاستجابة الطارئة للأزمة في اليمن بتكلفة قدرها 400 مليون دولار، ودعم المشروع ما يقرب من 11 ألف منشأة عمل صغيرة لخلق أكثر من 400 ألف فرصة عمل لليمنيين.

ولم يتوقف الأمر عند هذا القدر من التحركات الطارئة للنهضة بالاقتصاد اليمني، بل تمدد الى وعي شعبي كبير بضرورة تحويل الدعم الاغاثي الى اتجاه تنموي ودعوة الدول المانحة إلى بناء ودعم مشاريع صغيرة للمواطنين.
وهو ما شهده المجتمع اليمني بالفعل في 2018، حيث اقيمت حملة واسعة النطاق على مواقع التواصل الاجتماعي جاءت تحت وسم "تنمية من أجل اليمن"، تبنى الوسم العديد من المؤسسات اليمنية منها "وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر"  التابعة للصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن و الذي تم تأُسيسها سنة 2005، و ركزت الحملة اهتمامها على العديد من  المشاريع في الجانب الزراعية وإنما قطاعات الصحة والغذاء والملابس أيضا.

وهن هذه المطالبات يقول د. كمبش: " تتحدد تلك الفكرة في أن  تمكين الأفراد من القيام باستثماراتهم الخاصة بالمشروعات الصغيرة يعد تصرفا اقتصاديا أفضل من مجرد تقديم المساعدات المالية الإنسانية التي تنتهي بالاستهلاك. و تلك هي الفكرة الغالبة لدى الاقتصاديين والتي يعتبرونها ناجحة ليس فقط أنها تحقق الدخل للفرد الذي كان عاطلا عن العمل، بل وأن ممارسة العمل هي  قيمة إنسانية بحد ذاتها، ولا أتصور وجود شعور بالحرمان لدى الانسان اكبر من شعور الحرمان من العمل. "

و يتابع: "يمكن القول أن تشجيع وتمويل قيام المشروعات الصغيرة بالوقت الحاضر قد يعمل على تحريك الاقتصاد خطوة أو بعض خطوة لكنها ستعطي المشروعات الثقة في مواصلة النشاط، وهذا منطلق النجاح الذي  يكرس الثقة عند المشاريع الأخرى المتوسطة والكبيرة مما ينعكس ايجابا على الاقتصاد ويمنعه من الانزلاق الى حافة السقوط، وما يؤدي إليه ذلك من تطورات مالية لم يشهد الاقتصاد مثيلها على مدى الحرب ربما ترتب تطورات نقدية قد نلمسها في الاستقرار النسبي للأسعار وقيمة الريال."


نفض غبار الحرب

لا يقتصر الحال على جهاد وعلي فقط ومثلهم  يوجد الآلاف من  اليمنيين الذين لم تمنعهم الظروف المعيشية الصعبة من ملاحقة شغفهم والإيمان بأنفسهم لانتزاع حظوظهم من براثن الواقع المخيف، وعملوا بكل جهد  لوضع لبنة أساس لأحلامهم. وبكل ما أوتوا من قوة  لا ينفك الواحد منهم عن السعي لنيل حقهم في الحياة، نافضين عن كاهلهم غبار الحرب التي مزقت كل صور الحياة الجميلة أمامهم، وبكل بإصرار وعزيمة يقومون بصنع  مستقبل جديد، عله يشبههم ولو بالقليل.