التنين الصيني.. هل يضع قدمه في اليمن؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول مساعي الصين إلى أن تكون لاعبا مركزيا في الشرق الأوسط واليمن..

هل آن أوان الصين لأن تكون لاعبا مركزيا في الشرق الأوسط واليمن؟

هل تسعى الصين لتجديد اتفاقيتها بشأن تطوير وتشغيل ميناء عدن؟

ماذا تمثل اليمن بالنسبة للصين في استراتيجيتها الطريق والحزام؟

هل تتربع الصين على عرش الشرق الأوسط وتلعب دورا محوريا في اليمن؟

تقرير/ صديق الطيار:

يبدو أن الصين كشفت عن نواياها الحقيقية من تأخيرها إعلان الأمم المتحدة
رسميا تعيين مبعوثها الجديد إلى اليمن الدبلوماسي السويدي "هانس
جروندبيرج".

وتسعى الصين لتحول سياستها لتكون لاعبا مركزيا ومنافساً للنفوذ الأمريكي
في الشرق الأوسط، مما يمثل تحدياً للنفوذ الأمريكي، بحسب محللين سياسيين.

ويرى سياسيون أن التحالف بين الصين وروسيا وإيران في مواجهة الولايات
المتحدة "يزداد قوة وصلابة على وقع حرب باردة بين الغرب والصين.

وكان وزير الخارجة الصيني، وانغ يي، قد اختتم مؤخرا جولة في الشرق
الأوسط، أعطى خلالها إشارات واضحة على أن بلاده تعتزم التحول للعب دور
محوري في شؤون المنطقة.

كما أعرب الرئيس الأمريكي جو بايدن عن قلقه من التعاون الاقتصادي ‏بين
الصين وإيران.

وتعمل الصين على تفادى الاصطدام المباشر مع السياسات الأمريكية أو حتى
الأوروبية إجمالاً من خلال إدارة علاقاتها مع المنطقة على مستويات جماعية
إلى إدارة العلاقات على مستويات ثنائية مع الدول المنفردة أيضاً وبصرف
النظر عن صراعاتها البينية، أو طبيعة ارتباطاتها بالسياسات الأمريكية.

وترى الصين أنها الوريث الطبيعي لانحسار الدور الأمريكي والأوروبي في
المنطقة، وستسعى بكل الطرق للعب دور محوري في اليمن.

اتفاقية يمنية صينية لتشغيل وإدارة ميناء عدن

وكانت الصين قبل الانقلاب الحوثي على الشرعية الدستورية اليمنية في
سبتمبر 2014م تسعى لتشغيل وإدارة ميناء عدن.

ووقع اليمن منتصف نوفمبر تشرين الثاني عام 2013 في العاصمة الصينية بكين
على اتفاقية توسعة وتعميق محطة الحاويات بميناء عدن بين مؤسسة موانئ خليج
عدن والشركة الصينية لهندسة الموانئ المحدودة وذلك في اطار زيارة الرئيس
هادي للصين.

ويتضمن المشروع البالغة تكلفته 507 ملايين دولار بتمويل من الصين بناء
رصيف إضافي بطول ألف متر وعمق 18 مترا وتعميق وتوسعة القناة الملاحية
الخارجية بطول 7400 متر وعرض 250 مترا وعمق 18 مترا إضافة الى القناة
الملاحية الداخلية بطول 3800 مترا وعرض 230 مترا وعمق 18 متر.

وجاءت دعوة هادي لدى اجتماعه بالسفير الصيني باليمن تيان تشي في أول لقاء
يجمعهما منذ خروجه من العاصمة صنعاء بعد شهر من فرض جماعة أنصار الله
(الحوثيين) الإقامة الجبرية على الرئيس.

وتبلغ تكلفة مشروع تطوير وتشغيل الميناء -الذي يعد الميناء الأول باليمن
وأحد أهم موانئ العالم من حيث تزود السفن بالوقود- 570 مليون دولار
ستمولها الصين، ويرمي المشروع إلى توسيع وتعميق محطة الحاويات.

الصين في الشرق الأوسط

عزلت القوى الغربية الصين الشيوعية دبلوماسيًّا في خمسينيات القرن
الماضي، وكان الاتحاد السوفيتي حينها اللاعب المهيمن في الشرق، ما دفع
الصين إلى إقامة علاقات مع دول صغيرة، منها اليمن.

وعلى مدى العقود الثلاثة اللاحقة، عملت الصين على بناء علاقات دبلوماسية
واقتصادية مع عدة زعماء يمنيين، شماليين وجنوبيين على حد سواء، وبذلت
جهودًا للمحافظة عليها، شملت هذه الجهود مشاريع لتطوير البنية التحتية،
وتقديم قروض، والاستثمار في قطاع النفط والغاز المُكتشف حينها، إذ بدأت
باستيراد النفط لتلبّي احتياجاتها في ظل نمو قطاعها التصنيعي، ولكن مع
تغيّر مكانة الصين دوليًّا ومصالحها الاستراتيجية بشكل كبير منذ أوائل
التسعينيات، تغيّرت أيضًا علاقتها مع اليمن والقوى الإقليمية الخليجية
التي تؤثّر على الحرب الجارية في اليمن ومستقبلها.

بدأت علاقة الصين بالسعودية بالتحسن في الثمانينيات بعد تخلّي الصين عن
دعمها للجماعات الشيوعية المتمردة في دول الخليج، وهو قرار براغماتي
استند إلى احتياجاتها المتزايدة من الواردات النفطية اللازمة لاستدامة
الجهود الهائلة الرامية لتحديث اقتصادها. استرضت هذه الخطوة السعودية
التي أصبحت تتمتع بحرية أكثر لإقامة علاقة اقتصادية مع بكين عقب انتهاء
الحرب الباردة.

في أوائل القرن الحادي والعشرين، تجاوزت إيرادات الصين من النفط الخام
السعودي إيراداتها من النفط اليمني، ما ساعد فعليًّا على نهضتها لتصبح
على رأس أكبر الدول الصناعية في العالم، وفي نهاية المطاف، لم تعد سياسة
الصين الخارجية تجاه اليمن قائمة على مصالح صينية-يمنية بحد ذاتها، وأصبح
اليمن مجرد عنصرًا آخر ضمن استراتيجية الصين الإقليمية تجاه دول الخليج،
والمصممة لدعم أهداف الصين الاقتصادية، عبر إعطاء الأولوية للسعودية،
تليها الإمارات، وغيرها من دول الخليج.

تتمتع الصين بعلاقات طيبة مع كل من السعودية والإمارات وإيران، الجهات
الفاعلة الإقليمية الرئيسية في أزمة اليمن الحالية. وقبل اندلاع الحرب،
كانت الصين مستمرة بتعزيز علاقاتها الثنائية التاريخية – ولكن بأهمية أقل
من علاقتها مع الرياض وأبو ظبي وطهران – مع اليمن. تعمّقت الانقسامات
السياسية داخل اليمن بعد عام 2011، حين بدأ سقوط نظام الرئيس علي عبدالله
صالح، وما تلاها من فترة الانتقال إلى نظام حكم جديد كان مصيرها الفشل،
وحين انزلقت البلاد إلى الحرب، تأهبت القوى الإقليمية الثلاث: دعمت إيران
جماعة الحوثيين المسلحة، في حين شكلّت السعودية والإمارات تحالفًا
عسكريًّا عربيًّا لقتال الحوثيين وإعادة بسط سيطرة الحكومة على كافة
الأراضي اليمنية تحت قيادة الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي، النائب
السابق للرئيس صالح.

اتفقت بكين مع السعودية ودول الخليج العربية على نقاط رئيسية، واختارت
بالتالي حماية مصالحها الاقتصادية الأساسية التي تشمل توسيع السوق
الدولية لمنتجاتها وضمان علاقة مستقرة مع السعودية كونها أكبر مورّد نفط
للصين من بين دول الخليج.

وعلى النقيض من روسيا، التي تقدمت في الماضي بمبادرات لتولّي أدوار وساطة
جوهرية، لم تُبدِ بكين الكثير من الاهتمام في الانخراط سياسيًّا أو
دبلوماسيًّا في الصراع اليمني، ولكنها كانت تدعم على الدوام المصالح
السعودية المتعلقة باليمن، وتعرض المساعدة لتخفيف حدة التوتر بين الجهات
الخليجية، لأنها تحاول موازنة علاقاتها الإقليمية في الخليج وإبقاء
أهدافها الاقتصادية الأوسع على المسار الصحيح.

وهذا يكشف كيف ولماذا تخلّت الصين عن تبني سياستها الخاصة تجاه اليمن،
وتحولت إلى داعم هادئ، ولكن ثابت، لسياسة الرياض في اليمن، وكيف يُعزّز
ذلك أجزاء رئيسية من خطتها الاقتصادية الطموحة، مبادرة الحزام والطريق،
لتوسيع التجارة عبر آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

اليمن حليف قديم للصين

تعود بداية العلاقات الصينية اليمنية في العصر الحديث إلى عام 1956، حين
أقامت المملكة المتوكلية اليمنية علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية
الصين الشعبية. وكان ذلك مهمًّا بالنسبة للصين على الصعيدين السياسي
والدبلوماسي؛ لأن اليمن كانت أول دولة في شبه الجزيرة العربية وثالث دولة
عربية تعترف بجمهورية الصين الشعبية تحت قيادة الحزب الشيوعي كممثل وحيد
للصين. وكانت معظم الدول في ذلك الوقت تعترف بالحكومة الوطنية في تايوان
على أنها الممثل الوحيد.

تقاطع اهتمام جمهورية الصين الشعبية المبكر باليمن الشمالي مع اهتمام
الاتحاد السوفيتي السابق بها إذ حرص كلا البلدين على مواجهة النفوذ
والاستعمار الغربي عبر إقامة علاقات مع أنظمة معادية للغرب. وفي حين كان
اليمن الجنوبي تحت إدارة بريطانيا، جذبت المملكة المتوكلية في اليمن
الشمالي اهتمام كل من روسيا والصين حيث قدم كلاهما عروضًا لتقديم مساعدات
اقتصادية وعسكرية وتنموية.

وضع أول رئيس وزراء لجمهورية الصين الشعبية شو إن لاي الخطوط العريضة
لمقاربة بكين، التي انتُهجت لإقامة علاقات مع مصر وسوريا منتصف
الخمسينيات، ومع دول عربية وإفريقية أخرى لاحقًا شملت الإشادة بالحركات
والقرارات القومية، وتشجيع عدم الانحياز للغرب، والاستمرار بمنح القروض
بأسعار فائدة منخفضة أو دون فوائد، وتنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية
التي تحقق نتائج ملموسة بسرعة.

وتلقّى النظام الجمهوري الوليد في اليمن دعم الاتحاد السوفيتي والصين
أثناء محاربته لتأمين حكمه في صنعاء، وقدّم الاتحاد السوفيتي طائرات
مقاتلة وطيارين، بينما وفّرت الصين دعمًا طبيًّا ومعنويًّا وسياسيًّا
خلال ما عُرف “بحصار السبعين يومًا” لصنعاء (من نوفمبر/تشرين الثاني 1967
إلى فبراير/شباط 1968) خلال الحرب الأهلية في اليمن الشمالي. أبقت الصين
سفارتها في صنعاء مفتوحة في حين أغلقت الدول العربية سفاراتها فيها، وبعد
مغادرة الفرق الطبية الأجنبية لمستشفيات صنعاء نتيجة تدهور الوضع الأمني،
طلب رئيس الوزراء آنذاك، حسن العمري، من الحكومة الصينية إرسال فرق طبية،
وبعد عشرين عامًا، منح صالح أفراد تلك الفرق أوسمة خلال زيارة رئاسية له
إلى الصين.

عمق العلاقة اليمنية الصينية بعد الوحدة

بعد توحيد اليمن عام 1990، عمّقت بكين علاقاتها مع صنعاء عبر التجارة
الثنائية والاستثمار في البنية التحتية والوصول إلى الموارد النفطية،
واستفادت الأولى من الصادرات اليمنية صغيرة الحجم، كالبن والعسل والجلد،
لكنها كانت بأمس الحاجة إلى النفط نتيجة نموها الاقتصادي الثابت وزيادة
طلبها للطاقة؛ وأصبحت الشركات الصينية المملوكة للدولة مهتمة بالاستثمار
في استكشاف الطاقة وتطويرها حتى لدى الدول المنتجة للنفط بكميات صغيرة،
مثل اليمن.

قبل عام 1990، كانت عُمان وإيران الدولتين الوحيدتين اللتين تزودان الصين
بالنفط الخام من الشرق الأوسط. ومنذ 1993 أصبحت الأخيرة تستورد الطاقة
أكثر مما تصدرها، وبدءًا من عام 1995، أصبحت الحصة الأكبر من الواردات
النفطية تأتي من الشرق الأوسط. وعام 1996، اتفقت الصين واليمن رسميًّا
على تحسين التعاون في مجالات التنقيب عن النفط وإنتاجه وتكريره؛ ووقعتا
عقدًا يقضي بشراء مصفاة تشنهاي 30 ألف برميل نفط يوميًّا من اليمن.

بحلول عام 1999، كانت اليمن ثاني أكبر مصدّري النفط الخام إلى الصين، حيث
صدّرت 4.1 مليون طن سنويًّا، خلف عُمان بـ5 ملايين طن سنويًّا، وسبقت
إيران (رابع أكبر المصدرين بـ3.9 مليون طن سنويًّا) والسعودية (سادس أكبر
المصدرين بـ2.5 مليون طن سنويًّا). منذ مطلع القرن الحادي والعشرين،
تمكنت السعودية من مجاراة الطلب الصيني الثابت والمتزايد من النفط الخام،
وعام 2009، صدّرت 42 مليون طن، وكانت المورّد الرئيسي للصين.

استثمرت شركتان مملوكتان للصين، شركة البترول والكيماويات الصينية
(سينوبك) وشركة سينوكيم، في قطاع النفط اليمني خلال العقد الأول من القرن
الحادي والعشرين، وعام 2005، وقّعت شركة سينوبك على صفقة بقيمة 72 مليون
دولار للتنقيب عن النفط واستخراجه في القطاع رقم 69 في شبوة والقطاع رقم
71 في حضرموت، وعام 2008، سدّدت شركة سينوكيم مبلغ 465 مليون دولار مقابل
حصة 16.78% (نحو 6,500 برميل يوميًّا) في القطاع رقم 10 بمنطقة التنقيب
شرقي محافظة شبوة، وبحلول عام 2011، بلغ إنتاج الشركتين، سينوبك
وسينوكيم، نحو 20 ألف برميل يوميًّا، ما يشكل 8% من إجمالي الإنتاج في
اليمن.

ومنذ التسعينيات، نما حجم التبادل التجاري بين البلدين بصورة مطردة إذ
بلغ نحو 70 مليون دولار عام 1990، وبحلول عام 2000، وصلت قيمته إلى 911
مليون دولار؛ حيث بلغت صادرات النفط اليمنية إلى الصين 735 مليون دولار
والصادرات الصينية نحو 176 مليون دولار، وعام 2005، تجاوزت قيمة التبادل
التجاري بين البلدين 3 مليارات دولار، وفي العقد الأول من القرن الحادي
والعشرين، كان الحال الاقتصادي والأمني في اليمن في ظل قيادة الرئيس
السابق صالح يرزح تحت ضغط تمرد جماعة الحوثيين المسلح في شمال البلاد،
والحركة الانفصالية الصاعدة في الجنوب، والمطالب الأمريكية بسحق مقاتلي
تنظيم القاعدة.

زار صالح بكين في أبريل/نيسان 2006 - وهي ثالث زيارة له منذ عام 1987-
سعيًّا للحصول على دعم اقتصادي واستثمارات صينية جديدة؛ أعفت بكين
الصادرات اليمنية من التعرفة الجمركية، وأبرم البلدان اتفاقيات لمشاريع
مختلفة في الكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بقيمة إجمالية وصلت إلى
مليار دولار، كما عرض صالح أرضًا مجانية لأي مشروع صناعي وتجاري تزيد
قيمته عن 10 ملايين دولار كمحفّز لرجال الأعمال والمستثمرين الصينيين،
ولكن زيادة الصادرات الصينية إضافة إلى انخفاض أسعار النفط بعد الأزمة
المالية العالمية عام 2008 أسفرت عن تحول في الميزان التجاري إلى حد ما،
وعام 2010، بلغت قيمة الصادرات الصينية إلى اليمن 1.22 مليار دولار،
ووارداتها نحو 2.78 مليار دولار.