(تقرير) .. لماذا يعاود الحوثي السيطرة على مناطق حُررت قبل سنوات؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يبحث في أسباب عودة الحوثيين للتمدد بعد سبع سنوات من الحرب..

عودة التمدد الحوثي في البيضاء بشكل كامل.. ما دلالاته؟

التهديد الحوثي للمحافظات الجنوبية.. لماذا ما زال قائمًا؟

أين المشكلة.. ومن المسئول عن استعادة الحوثيين لزمام المبادرة؟

ما دور المجتمع الدولي وتغافله عن ممارسات الانقلابيين في اليمن؟

هل ضل التحالف العربي طريقه في اليمن؟

كيف انكشفت الأهداف الحقيقية للحرب في اليمن والانشغال بمعارك جانبية؟

هل تكمن المشكلة في غياب الدولة وحضورها في الداخل؟

كيف أثرت الانقسامات الداخلية على تقوية الحوثيين؟

الحاضنة الشعبية للحوثيين.. ما دورها في استعادة قوته؟

القسم السياسي - عدن الغد:

ما أشبه الليلة بالبارحة.. الحوثيون على مشارف الجنوب مرة أخرى، يذكر هذا
الوضع بعشية التدخل العربي في اليمن؛ لكبح جماح الاجتياح الحوثي
للمحافظات الجنوبية من البلاد.

كان ذلك التدخل من قبل ما أطلق عليه "التحالف العربي لدعم الشرعية في
اليمن"، كفيلاً بوضع حد لتمدد مليشيات الحوثيين نحو الجنوب.

ورغم وصولهم إلى عدن ولحج وأبين، وبقائهم في بيحان بشبوة في ظل "عاصفة
الحزم" وتدخل التحالف، خلال أبريل/ نيسان 2015، إلا أن تواجدهم هذا لم
يدم طويلا.

فما هي سوى ثلاثة أشهر أو أقل حتى تم تحرير تلك المحافظات من التواجد
الحوثي، في عملية مشتركة سميت بـ "السهم الذهبي"، تعاضد فيها الجميع
وتوحدت أهدافهم وغاياتهم، أو هكذا خُيّل للمراقبين.

خندق واحد

انكسرت مليشيات الحوثي في ظرف بضعة أشهر، وعادت أدراجها ومعها قوات
نظامية مدربة ومسلحة بأعتى العتاد، وانقطع سبيل تمددها الذي أوقفته عدة
عوامل وأسباب.

لعل أبرز تلك العوامل التي أدت إلى النصر على الحوثيين؛ هو أن جميع القوى
المساهمة في عملية التحرير كانت "على قلب رجل واحد"، وتخندقت في "خندق
واحد"، لم تتاح الفرصة فيها لأي انتماءات أو دعوات ضيقة.

كانت القوات الحكومية بجانب المقاومة الشعبية التي تشكلت من الشباب
العفوي والمنتمين للحراك الجنوبي بكل فصائله، حتى الأكاديميين والأطباء،
وقدامى المحاربين والعسكريين المسرحين، والطلاب والعاطلين عن العمل.

جميعهم ارتصوا في مشهد مؤثر يؤكد إصرارهم على تحرير ما طالته أيادي
المليشيات الحوثية.

وكان كل ذلك تحت نظر وإشراف وتنظيم التحالف العربي، الذي بدت أهدافه
ومشاريعه حينذاك واضحة وجلية، بل إنها كانت تدعو للحماسة والفخر بتوحد
عربي وإسلامي ضد مشروع التمدد الإيراني في اليمن.

ببساطة.. تلك كانت هي الحالة التي يجب أن يتذكرها ويستعيدها الجميع،
ليدركوا الآلية التي من خلالها استطاعوا ردع المليشيات الانقلابية،
ودحرها لتعود إلى كهوفها في أقصى الشمال، بدلاً مما نشاهده اليوم من تمدد
جديد، يُذكر ببداية المشهد قبل نحو سبع سنوات.

التراجيدية المؤلمة في الموضوع برمته، هو أن الحوثيين عادوا للتمدد
مجددًا صوب مناطق محررة أصلاً منذ سنوات، بل إنهم سيطروا على مناطق لم
يكونوا يتواجدوا فيها من قبل.

وهو ما يثير الاستغراب والدهشة في آنٍ معا، ويدعو لتحليل ما يجري، وسبر
أغوار ما يدور من انتكاسة لمسار الحرب ضد الانقلابيين في اليمن.

الحوثي مجددا في البيضاء!

يصف كثير من المؤرخين المناطق الوسطى من اليمن، بأنها بؤر متواصلة للصراع
بين الإمامة الكهنوتية وسلاطين وأمراء تلك المناطق منذ أكثر من ألف عام.

وهذه الخلفية التاريخية التي تتحدث عن مناطق مثل البيضاء وبيحان (سلطنات
العوالق)، تلقي بظلالها على قوات الإمامة اليوم، التي على ما يبدو أنها
تسعى لاستعادة تواجدها في هذه المواقع من اليمن.

حتى إن الوثائق البريطانية والمملكة المتوكلية اليمنية تتحدث عن تبادل
للمناطق بين الجانبين في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، آثر فيها
الإمام يحيى الفوز بحصة "البيضاء" للبقاء قريبا من شبوة وبيحان؛ لأغراض
سياسية بكل تأكيد.

كما أن صراعات الشطرين الجنوبي والشمالي، ما بعد الاستقلال والثورة على
الإمامة، تركزت في هذه المناطق الوسطى من اليمن، وهو أمر لا يبدو أنه حدث
مصادفةً، وفق مراقبين.

ولهذا يربط هؤلاء المراقبون بين الحرص الحوثي "الإمامي" على التواجد بقوة
في هذه المناطق، بل والتمدد مجددا نحو محيطها من الناحية الجنوبية "يافع
وما جاورها"، ومن الناحية الشرقية "شبوة وبيحان".

لكن المحور الذي يربط كل هذه المناطق هي "البيضاء" التي كانت وما زالت
مرتكز المواجهات والصراعات التي عاشتها المراحل السياسية في اليمن.

التمدد الحوثي الجديد في البيضاء يرجعه محللون إلى الصمت الممارس من قبل
الأطراف المتداخلة في الحرب اليمنية، وتحميلها مسئولية هذا التمدد الحوثي
الجديد الذي يهدد المحافظات الجنوبية، في يافع وشبوة.

فالمستجدات الأخيرة خلال الأسبوعين الماضيين، ووصول الحوثيين إلى مشارف
يافع وشمال لحج، وغرب شبوة في بيحان ومحيطها، يثير الكثير من التساؤلات
حول الجهة المسئولة عن هذا التراجع في سياسة الحرب ضد الحوثي.

وكما كان النصر على الحوثي في 2015، نصرا مشتركا ساهم فيه الجميع، من
كافة الأطراف والقوى، فإن هذه "الانتكاسة" في حرب اليمنيين على المليشيات
يتحمله الجميع كذلك، وهم نفس الأطراف التي ساهمت في النصر الذي يبدو أنه
"مهدد".

الحوثي يمسك بزمام المبادرة

الهجمات التي يواصلها الانقلابيون الحوثيون منذ أشهر عديدة على مأرب وسط
البلاد، واستعادته للمناطق التي خسرها في البيضاء، بل وتمدده نحو مناطق
لم يكن يحلم بها؛ تؤكد أن المليشيات باتت اليوم تمسك بزمام المبادرة في
الحرب اليمنية.

فبعد انتصارات تحرير المحافظات الجنوبية، وتحرير الساحل العربي، ظن
كثيرون أن الحوثيين لن تقوم لهم قائمة، لكن ما حدث هو العكس.

وحتى يكون للإنصاف تواجد في هذا التحليل، فإن التمدد الحوثي الجديد بدأ
عقب التوقيع على اتفاقية ستوكهولم في السويد، حيث أمن الحوثي ظهره تماما
في الغرب هناك بالحديدة، وانطلق شرقا وجنوبا بكل حرية.

الأمر الذي يدفع ببعض المراقبين إلى تحميل المجتمع الدولي مسئولية الطفرة
الجديدة في هجمات الحوثيين الانقلابيين بحق اليمنيين، بالإضافة إلى الصمت
المطبق عن انتهاكات المليشيات في مأرب والحديدة وغيرها من المناطق.

كما أن ثمة أمرا آخر ساهم في إمساك الحوثيين بزمام المبادرة، يكمن -بحسب
محللين- بانحراف بوصلة أهداف التحالف العربي في اليمن.

حيث يؤكد كثير من المحللين أن قوى التحالف العربي انحرفت عن استعادة
الشرعية إلى اليمن، وذهبت تحقق أهدافها الخاصة والضيقة البعيدة عن أهداف
خلاص اليمنيين من كابوس المليشيات والانقلاب الحوثي.

مستدلين على الصراعات الجانبية التي دخلها التحالف العربي مع الشرعية
اليمنية، بل حتى مع شخصيات معينة داخل الشرعية؛ حفاظا على مصالح التحالف
والدفاع عن تواجده في الجزر اليمنية وموانئ تصدير النفط والغاز، وفق
محللين.

وهي المواقع التي آثر فيها التحالف العربي التواجد فيها والسيطرة عليها
بدلا من السيطرة على مواقع الحوثيين وتحرير الأرض اليمنية من المليشيات
المسلحة.

حيث يعتقد غير واحد من السياسيين أن التحالف العربي انحرف عن هدف استعادة
الشرعية، وتوجه للسيطرة على موانئ اليمن، والاستئثار بثرواته وبحاره
وجزره، تاركا الحوثيين يخططون للعودة مجددا.

ولا ينسى المراقبون التطرق لغياب الحكومة اليمنية عن الداخل اليمني،
وتأثيرات ذلك الغياب الذي لا يمكن فصله عن إملاءات التحالف أو على الأقل
قوى في التحالف، على سير المعارك ضد الحوثيين.

كما أن تعطيل عمل المؤسسات والمرافق الإيرادية وضعف العوائد المالية يؤثر
بشكل أو بآخر على الصراع مع الحوثيين.

كما أن هناك عوامل أخرى استدعت تمدد الحوثيين وأغرتهم للسيطرة على مناطق
جديدة لم يكونوا يحلموا بها، ولعل الانقسامات الداخلية للقوى اليمنية،
أحد تلك الأسباب.

حيث يلاحظ نشاط الانقلابيين الحوثيين وتكثيف هجماتهم عقب الخلافات
والصراعات والمواجهات المسلحة الدامية بين القوات الحكومية وقوات المجلس
الانتقالي الجنوبي.

هذه القوات انشغلت في القتال فيما بينها، داخل أبين وشبوة وعدن، في الوقت
الذي تركت فيه الحوثي يصول ويجول في مختلف أنحاء البلاد، بل ويهدد تلك
المناطق التي تتقاتل فيها قوات الشرعية والانتقالي.

وهي قوات لا يستهان بها، ولا طاقة للحوثي بها إذا تم توجيهها نحوه،
وتوظيفها لتحرير اليمن من سيطرة المليشيات.

ولنا أن نتخيل مصير المليشيات الحوثية في حالة توحدت قوات الانتقالي
والشرعية؛ لدحر التمدد الحوثي الذي لم يتوقف رغم مرور سبع سنوات على
الحرب!