القسم السياسي بـ(عدن الغد) يكتب.. روسيا والتَدخل الناعم في اليمن.. تتحدث مع الكل ولا تثق بأحد!!

(عدن الغد) القسم السياسي:

تقرير يرصد الدور الروسي في اليمن بعد لقاءاتها الدبلوماسية مع أطراف النزاع وتصريحاتها الرسمية..

روسيا والتَدخل الناعم في اليمن.. تتحدث مع الكل ولا تثق بأحد!!

 

على عكس العديد من الدول الغربية، تحافظ روسيا على تواصلها مع جميع أطراف الحرب اليمنية، فهي تعترف بالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ولكنها لا تُدين جماعة الحوثيين المسلحة، وعلى صعيد متصل يؤكد دبلوماسيو الدولة الروسية، دعمهم ليمن موحدة، ولكن لا مشكلة لديهم بلقاء المناصرین للانفصال من الجنوب، وعلى الجانب الآخر، ترفض موسكو اتهامات السعودية لإيران بتسليحها جماعة الحوثيين، دون أن يؤثّر ذلك على مساعيها لكسب ود شيوخ الخليج في نفس الوقت، وترسيخ الشراكات الاقتصادية والدفاعية مع السعودية والإمارات، حليفة السعودية الأولى في حرب اليمن.

تعكس هذه المقاربة الروسية نقلة برغماتية تأخذ بروسيا بعيداً عن الاستراتيجيات التي توجهها الأيديولوجيا، حيث كانت تلك إحدى السمات التي عُرِفت بها في الحقبة السوفيتية، وكانت تحديداً ما رسم ملامح علاقتها مع اليمن، فما كان في الماضي توجهات تقودها المطامح الشيوعية بات اليوم محكوما بالواقع السياسي والانتهازية السياسية تحت رئاسة فلاديمير بوتين، كما أن الصعود الروسي الجديد كان إقراراً بأن الانسحاب من المنطقة في أعقاب الحقبة السوفيتية، ترك روسيا في موقع يصعب منه حماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية المتوارثة مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية وزعزعة الربيع العربي عام 2011 لأسس التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واليوم تسعى روسيا لتقديم نفسها كوسيط دولي قوي بالتعامل مع جميع الأطراف اليمنية الداخلية والإقليمية.

وآخر لقاءاتها السياسية كان الخميس الماضي الذي أجراه نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف، مع مستشار الرئيس حيدر العطاس، حيث أكدت وزارة الخارجية الروسية أن موسكو تدعم حوارا يمنيا شاملا، يهدف إلى تحقيق الوفاق الوطني، وحل المشاكل الإنسانية الحادة في البلاد، فضلا عن دعمها جهود التسوية المبذولة.

وأصدرت وزارة الخارجية بيانا، عقب لقاء ميخائيل بوغدانوف، مع حيدر العطاس، جاء فيه: "إنه خلال المحادثات تبادل العطاس معلومات عن الاتصالات اليمنية في القاهرة، بمشاركة ممثلي الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي. وفي الوقت نفسه، وبالإشارة إلى الطبيعة الودية تاريخيا للعلاقات الروسية - اليمنية، تم الإعراب عن رغبة موسكو المستمرة، في دعم الجهود المبذولة من أجل تسوية سياسية مبكرة للأزمة في اليمن".

وأضاف البيان: "أعاد الجانب الروسي تأكيد موقفه الثابت المؤيد لإقامة حوار يمني شامل، يهدف إلى تحقيق الوفاق الوطني، بما في ذلك التوافق على حل المشاكل الإنسانية الحادة في البلاد بمساعدة المجتمع الدولي".

وفي وقت سابق، طالبت الحكومة الشرعية من نظيرتها الروسية، خلال مباحثات عقدها وزيرا خارجية البلدين، بالتزامن مع تحركات دولية حثيثة تسعى لوضع حد للحرب الدائرة في البلاد منذ نحو سبع سنوات، بالقيام "بدور أكبر في الضغط على الميليشيات الحوثية، ومن خلفها إيران، لوقف حربها العبثية ضد الشعب اليمني"، على حد تعبيرها.

وفي وقت سابق كشف نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، أن موسكو ترعى وساطة بين جميع الفرقاء في اليمن لتقريب وجهات النظر، وتشجيعهم على الحوار، وقال إن الحرب لا تؤدي إلا إلى معاناة السكان.

وقال الدبلوماسي الروسي في تصريح لوكالة نوفوستي، إن روسيا تلعب بالفعل دور الوساطة في حل الصراع المحتدم  في اليمن.

وأوضح :  "لقد لعبنا ونلعب دور الوسيط، لأن لدينا حوارا قائما، وتفاهمات جيدة مع جميع القوى السياسية. لدينا اتصالات عمل جيدة مع الحكومة اليمنية، التي هي حاليا خارج صنعاء حاليا، كما لدينا اتصالات مع ممثلي القوى السياسية المناوئة، وكذلك مع الحوثيين الذين يسيطرون على الوضع في صنعاء وبعض المدن الكبرى في اليمن وما إلى ذلك".

وقال فيرنشين: "الإشارة التي نرسلها لا تزال هي نفسها، يجب الانخراط في عملية التفاوض، يجب علينا حل هذه الأزمة من خلال الحوار".

وأضاف: "الطريق العسكري للصراع لا يؤدي بالتأكيد إلى أي مكان. إنه يقود، إلى معاناة السكان التي لا يمكن تصورها، وهذا ما ظهر في السنوات الأخيرة".

 

روسيا تتبنى استراتيجية جديدة

لم تكن موسكو هي الوحيدة التي تفاجأت بحدة موجات الربيع العربي عام 2011، فالاحتجاجات الشعبية قد نقضت أسس المعادلات الجيوسياسية في كثير من البلدان وأسقطت أنظمة أوتوقراطية استحوذت على مقاليد الحكم منذ الحقبة السوفيتية، فقد انهار حلفاء موسكو القدماء، في حين يصارع من تبقى منهم في سوريا واليمن ومصر وليبيا للبقاء في السلطة، وفي ظل ذلك، كان لا بد من بلورة استراتيجية جديدة للتعامل مع هذا الواقع السياسي المتغير، استراتيجية، في حال آتت ثمارها، لها أن تهدي موسكو ما يكفي من نفوذها العالمي القديم لتستطيع إعادة فرض تأثيرها في هذه الحقبة الجديدة.

تتسم مقاربة روسيا اليوم بالبراغماتية والانتهازية، والتركيز أولاً وقبل كل شيء على المصالح الاستراتيجية طويلة المدى، ومنها الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية التي أبرمتها في السنوات الأخيرة، والتي تعزز أهدافها الجيوسياسية، فتبرم روسيا اليوم شراكات مختلفة، في قطاعات متنوعة مثل الطاقة والتصنيع والزراعة والأسلحة وغيرها، مع دول واقعة على امتداد الطرق التجارية عبر البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر مررواً أيضاً بالمحيط الهندي، وكثيرٌ من هذه الدول تُعد من حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، أو تأثرت بتوسع النفوذ الأمريكي في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي.

لقد نأت روسيا بنفسها عن سياسات المعسكر الواحد لصالح مقاربة أكثر توازناً في سياق شركائها الإقليميين، فصحيحٌ بأنها وفيةٌ بالتزاماتها مع إيران حليفها التقليدي في سوريا، على سبيل المثال، ولكن هذا لا يثنيها عن محاولة موازنة هذه الميول بعرض خدماتها على السعودية أو الإمارات، واليمن، أحد نقاط المحيط الهندي على أهم المنافذ البحرية في العالم، ما هي إلا محور آخر تحرص موسكو على وضع قدم لها فيه.

 

كسب ود اللاعبين الإقليميين

شدد وزير الخارجية الروسي في أكثر من بيان رسمي، على أن السبيل الوحيد للسلام في اليمن سيكون عبر الحوار مع الأطراف الأساسية في النزاع، وذلك بعد اكتساب موسكو شيئاً من الزخم بفضل انتصاراتها العسكرية والدبلوماسية في سوريا، مؤكداً في نفس الوقت استعداد موسكو لتمهيد الطريق لمحادثات في هذا السياق، ولكن ذلك يستلزم موافقة من السعودية المتوجسة من علاقة روسيا مع إيران، والتي تميل أكثر إلى التماشي مع مواقف الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تستجب الرياض حتى الآن لعروض الوساطة الروسية المتكررة.

تملك روسيا أرضية مشتركة كبيرة مع المملكة، والإمارات حليفة المملكة الأولى في الحرب اليمنية، يمكن لها البناء عليها، وعلى النقيض من الولايات المتحدة الأمريكية، فإن نفور روسيا من الكثير من القيم التي أججت الاحتجاجات الشعبية جعل منها بطبيعة الحال أميل إلى الوقوف في صف الأنظمة العربية وقت اندلاع موجات الربيع العربي عام 2011، فالسردیة الروسية لا تتمحور حول قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمسؤولية الاقتصادية والشفافية، بل تؤمن أكثر بصون الهوية الوطنية والوحدة الجغرافية وبسط قواعد النظام الوطني، وكان هذا العامل الأخير تحديداً هو مبرر روسيا لتدخلها في سوريا، لقد ساندت روسيا الأسد، على عكس أمريكا التي لم تتورع عن التخلي عن الرئيس المصري حسني مبارك خلال الربيع العربي، وكان في ذلك رسالة تنبهت لها دول الخليج.

تأثرت روسيا أيضاً بالتطرف الإسلامي على غرار عدد من الأنظمة العربية، فقد راقبت موسكو كيف خلقت الاحتجاجات الشعبية مناخاً من الفوضى أعطى مساحة استغلتها الميليشيات الإسلامية للصعود والتحرك، وهو ما فرض على الولايات المتحدة أن توغل أكثر في تدخلاتها لمحاربة هذه الموجة.

إذاً هذه هي النقاط المشتركة التي تستطيع موسكو البناء عليها متى ما أفسحت الولايات المتحدة الأمريكية لها المجال لكي تحاول التأثير في التوجهات السعودية والإماراتية وتوافقهما مع الرغبات الأمريكية، فقد شاركت روسيا، على سبيل المثال، في المنتدى الاستثماري “دافوس الصحراء” الذي نظمته السعودية في تشرين الأول/أكتوبر 2018، عندما أعلن عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين انسحابهم من المنتدى على إثر مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي كان يكتب مقالات دورية لصحيفة الواشنطن بوست، بالقنصلية السعودية في إسطنبول، فاستغلت روسيا هذه الفرصة سريعاً لتكبير حجم وفدها التجاري وقامت بتوقيع عدد من العقود فيما كان في الواقع خطوة هدفت إلى إثبات استعداد موسكو لمساندة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أكثر من كونها رغبة منها بعقد الصفقات.

يعود القرار الأول في اليمن إلى السعودية بلا شك، إلا أن جهود روسيا على هذا الصعيد لم تهمل الشريك الثاني في التحالف الذي تقوده السعودية، فقد وقع الروس والإماراتيون اتفاقية دفاع بلغت قيمتها 2 مليار دولار في فبراير 2017، وتبع ذلك إعلان شراكة استراتيجية في يونيو 2018، عززت العلاقات الاقتصادية في قطاعي الطاقة والتكنولوجيا، ولا تحتاج الإمارات إلى إثبات فائدتها لروسيا في سياق تحقيق الأخيرة لأهدافها، فقد كانت الإمارات هي الوسيط في المصالحة بين إريتريا وأثيوبيا في تموز/يوليو 2018، والذي مكن روسيا من المضي قدماً باستثماراتها في أرتيريا وخططها التوسعية في أثيوبيا، وكانت الإمارات من أوائل الدول العربية التي أعادت فتح سفارتها في دمشق في ديسمبر 2018 بعد مقاطعة دبلوماسية عربية دامت ما يقارب السبعة أعوام، وهو ما مثل خطوة أخرى نحو هدف روسيا المتمثل بإعادة الأسد إلى الساحة العربية.

 

روسيا تحدث مع الكل ولا تثق بأحد

أثبتت روسيا بالفعل مهارتها في صون درجة ما من العلاقات مع جميع الأطراف الإقليمية والمحلية في النزاع اليمني، ويصب ذلك بكل تأكيد في مصلحة روسيا في ظل الضبابية التي تطغى على ما سيؤول إليه الوضع السياسي مستقبلاً في اليمن، فهي تتعامل بصورة مؤسساتية ورسمية مع الحكومة اليمنية، ولكنها أيضاً تلتقي مع ممثلين لمجموعات يمنية أخرى مثل سلطات الحوثيین والمجلس الانتقالي الجنوبي، وأيضاً المؤتمر الشعبي العام بما تسمح به أدنى مستويات البروتوكولات الدبلوماسية.

إن هدف موسكو هو حماية ورعاية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في اليمن، وهذا لا يختلف أبداً عن هدفها في المنطقة بصفة أعم، وقد أرست لجنة اقتصادية روسية - يمنية عام 2014 أولويات مشاريع مختلفة في قطاعات استخراج النفط والغاز، وإنتاج النفط، والتنقيب، والزراعة، وبناء محطات الطاقة في عدن والمخا، وكشف السفير الروسي في اليمن، ففلاديمير ديدوشكين، أن الجيولوجيين الروس قد وجدوا بالفعل كميات من النفط والغاز والحديد في اليمن، ولكنه نوه إلى أنه من غير الممكن البدء بتنفيذ المشاريع التي تم الاتفاق عليها بسبب تداعيات ثورة 2011 والحرب القائمة حالياً.

تحرص موسكو على ألا تبالغ في الاعتماد على الحكومة الشرعية في إعانتها على حماية مصالحها الاقتصادية المستقبلية في البلاد، فحكومة هادي غير قادرة على تأمينها، وبدلاً من ذلك تسير روسيا في درب دبلوماسي منفصل، فقد فرضت ظروف الحرب، بصورة غير مسبوقة، علاقات دبلوماسية تخللها تمرير اقتراحات إلى قوى عالمية مثل روسيا أو الصين عبر بوابة السعودية، ومنذ عام 2012، لم يزر هادي روسيا سوى في مناسبة واحدة، وفي ذلك الوقت، عام 2013، كان هادي يملك هامشاً أكبر للتحرك على صعيد إدارة سياساته الخارجية مقارنة بالوضع اليوم، ولعله يريد اليوم أن يعطي روسيا مساحة أكبر في المشهد اليمني، ولكنه غير قادر على ذلك.

 

شواهد الانحياز الروسي للحوثيين

سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وعديد من الدول، سفاراتها من صنعاء عام 2015، بعد أن استولى الحوثيون على العاصمة اليمنية، في سبتمبر 2014، وعلى النقيض من ذلك، احتفظت روسيا بسفارتها هناك حتى ديسمبر 2017.

وفي أبريل 2015، كانت روسيا العضو الوحيد في مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، الذي امتنع عن التصويت على القرار 2216، الذي فرض حظرًا على تسليح  الحوثيين وحظر سفر زعيمهم، وبعد ثلاث سنوات، في فبراير/شباط 2018، استخدمت روسيا حق النقض، ضد قرار مجلس الأمن الدولي، بتمديد حظر الأسلحة، المفروض على الحوثيين، والذي ألقى باللوم على إيران في انتهاكه.

كما عارضت موسكو أيضًا، تصنيف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحوثيين، منظمة إرهابية أجنبية، ودعت بدلًا من ذلك، إلى عملية سلام شاملة داخل اليمن، مثلما فعلت طهران. كما ورد أن روسيا خفَّفت من حدة انتقاداتها للحوثيين، في بيان صحفي لمجلس الأمن الدولي، في 18 مارس بشأن اليمن.

 

طارق صالح في موسكو

على مدار السنوات الماضية، ومنذ خروجه من صنعاء بعد مقتل عمه الرئيس السابق علي عبد الله صالح على يد الحوثيين، لم يغادر اليمن وبقي يقود قوات عسكرية تقاتل بين الحين والآخر مليشيا الحوثي.

وبشكل مفاجئ نشرت وسائل إعلام تابعة لطارق صالح في الساحل الغربي باليمن، في 11 يونيو 2021، أخباراً وصوراً عن زيارة قام بها إلى روسيا، لمقابلة مسؤولين في وزارة الخارجية الروسية من أجل التباحث عن الأوضاع في اليمن.

وذكرت أنه عقب وصوله عقد لقاءً مع سيرغي فيرشينين، نائب وزير الخارجية الروسي في مقر وزارة الخارجية بالعاصمة موسكو، استعرضا فيه تطورات الوضع السياسي والعسكري في اليمن، وتطورات الأوضاع على ضوء التحركات الدولية الهادفة إلى إيجاد الحلول المناسبة لإنهاء النزاع في اليمن.

فيما قال الجانب الروسي الذي التقى "صالح"، إن موسكو تبذل كافة السبل لإنهاء الحرب في اليمن بدعوة كافة الأطراف اليمنية للجلوس إلى طاولة مفاوضات تفضي إلى وقف الحرب وإنهاء معاناة الشعب اليمني.