(تقرير) قراءة في مواقف الحكومة اليمنية الأخيرة تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي وعرقلة اتفاق الرياض

(عدن الغد) القسم السياسي:

 قراءة في مواقف الحكومة اليمنية الأخيرة تجاه المجلس الانتقالي الجنوبي وعرقلة اتفاق الرياض..

لماذا بدت الحكومة اليمنية أكثر حدة في التعامل مع المجلس الانتقالي خلال الفترة الماضية؟

الموقف الحكومي.. هل تغير من المهادنة إلى المواجهة؟

مواقف الحليف السعودي من الانتقالي.. هل انعكست على مواقف الحكومة؟

ما الذي يعنيه بيان الحكومة الذي حمّل الانتقالي مسئولية تعثر اتفاق الرياض؟

كيف يمكن أن يكون هذا التطور انسدادا للأفق السياسي بين الطرفين؟

الخيار العسكري.. هل سيكون بديلا للاتفاقيات السياسية؟

 

(عدن الغد) القسم السياسي:

بدت الحكومة اليمنية في موقف المهادن، وصاحبة الموقف الأضعف خلال الصراع الذي شهدته مدينة عدن والمحافظات الجنوبية من اليمن، في السنوات الماضية.

فالخسائر التي منيت بها الحكومة الشرعية وقواتها خلال احداث يناير/كانون الأول 2018، وأغسطس/آب 2019، وما تلاها من مواقف سياسية كانت لمصلحة خصمها في تلك المواجهات والمتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي، هي من جعلت الشرعية تبدو بهذا الشكل.

حتى أن اتفاق الرياض الموقع بين الجانبين مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2019، والذي هلل له مناصرو الانتقالي وإعلاميوه، ضمن للمجلس الانتقالي اعترافا بوجوده ككيان سياسي لا يمكن تجاوزه.

وهو ما حاولت الحكومة الشرعية تكريسه طيلة صراعها مع الانتقالي منذ تأسيس الأخير بداية مايو/أيار 2017، غير تطورات الأوضاع فرضت على الشرعية الاعتراف بالانتقالي، وإشراكه في حكومة المناصفة.

كل تلك المحطات ومراحل الصراع، ظهرت فيها الشرعية بمظهر "الحمل الوديع" مقابل "استئساد" للانتقالي الذي قوي عوده، وصار كيانا سياسيا معترفا به، ليس محليا فقط، بل حتى دولي.

وأثناء كل تلك المحطات، كانت لغة الحكومة اليمنية تجاه ما يعتمل من خطوات للانتقالي في المحافظات التي يسيطر عليها، توصف بأنها "لغة استجدائية"، تطالب فيها حليفها السعودية بالتدخل وإبطال مفعول إجراءات الانتقالي.

كان ذلك واضحا حين سيطرت قوات الانتقالي على عدن ومؤسسات الدولة، وحين أعلن الإدارة الذاتية للجنوب، وحين تم اقتحام قصر معاشيق والتظاهر ضد حكومة المناصفة، وقتها لم تزد الحكومة على طلب التدخل والعون من السعودية لإسقاط ما قام به الانتقالي.

 

تغير في موقف الشرعية

بدأ التغيّر في مواقف الشرعية منذ الشهور الماضية، وخاصة عقب مغادرة وزراء حكومة المناصفة لمدينة عدن، عقب احتجاجات شعبية مناهضة، اتهم مراقبون المجلس الانتقالي بالتورط فيها، خاصة وأنه مسيطر على الأرض أمنيا وقادر على منع تهديد الحكومة ومقرها.

وتزامن ذلك مع دعوة المملكة للطرفين للاجتماع مجددا في العاصمة السعودية، لبحث تسريع تنفيذ اتفاق الرياض، والتوصل لاتفاق جديد على وقف التصعيد السياسي والعسكري وحتى الإعلامي، وكان ذلك في يونيو/حزيران الماضي.

بعد هذا الاتفاق لم تمضِ الأمور كما ينبغي، حيث تغيرت لهجة الرياض تجاه المجلس الانتقالي، وتجلى هذا في البيان الأخير لوزارة الخارجية السعودية التي اتهمت الانتقالي بالتصعيد العسكري والسياسي، في أبين وشبوة وحضرموت، وبوقوفه وراء التظاهرات التي شهدتها تلك المحافظات ضد الحكومة.

بيان الخارجية السعودية وصفه مراقبون بأنه تغيُر كبير في دبلوماسية الرياض تجاه الانتقالي، والتي غلبت عليها "النعومة" في التعامل، وأرجعوه إلى وصول السعودية إلى مرحلة "الضجر السياسي"، ليس فقط من الانتقالي، بل حتى من الشرعية ذاتها.

وبحكم التقارب بين السعودية والشرعية، يعتقد محللون أن الرياض ضغطت على الحكومة لتغيير سياستها تجاه الانتقالي هي الأخرى.

لكن وقائع الأحداث تؤكد أن الشرعية ليست بحاجة إلى ضغط لتغيير سياستها ومواقفها من المهادنة إلى المواجهة المباشرة، حيث كانت في انتظار مثل هذه الفرصة لتأكيد أنها هي من تسعى لإنجاح اتفاق الرياض، بينما الطرف الآخر هو المعرقل.

وذلك ما تضمنه البيان الأخير الصادر عن الفريق الحكومي المعني بمتابعة تنفيذ اتفاق الرياض، والذي حمل كل تلك الإشارات، كتحميل الانتقالي مسئولية تعثر الاتفاق، والتسبب بالتصعيد العسكري والسياسي والأمني والإعلامي.

 

أبرز نقاط البيان الحكومي

بيان الفريق الحكومي تضمن العديد من الدلائل على المرحلة المقبلة التي تنتظر الطرفين، الشرعية والانتقالي، وهي مرحلة تبدو "ضبابية" إلى حدٍ بعيد.

فالبيان اتهم الانتقالي بمنع عودة الحكومة إلى عدن لممارسة مهامها بحرية واستقلالية، وفي ذلك إشارة إلى أن تدخلات الانتقالي السياسية في عمل الحكومة هي التي كانت السبب الرئيسي في عرقلة مهام خدمة المواطنين، وتوفير المتطلبات الأساسية.

واعتبر الفريق أن عودة الحكومة ضرورة ملحة تتطلب العمل بسرعة لتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق ذلك، والتي لم تتم بسبب ما وصفع البيان أنه "تراجع من الانتقالي عن ما تم الاتفاق عليه"، كما حمله مسئولية عدم إيقاف إجراءات التصعيد، والتقصير في تأمين الحكومة ومقراتها.

الحكومة اتهمت الانتقالي أيضا "بتعطيل عمل مؤسسات الدولة" عبر "التدخل المباشر لقيادة المجلس الانتقالي في إصدار القرارات المخالفة للقانون"، وفق بيان الفريق الحكومي المعني بمتابعة تنفيذ اتفاق الرياض.

وفي ذلك تلميح صريح لقرارات تغيير قيادات المؤسسة الاقتصادية اليمنية، وشركة النفط اليمنية، وعدد من المؤسسات السيادية في عدن تحديدا، والتي اعتبرتها الحكومة اليمنية عبر رئيسها بأنها مخالفة للقانون والدستور، وخاصة أن ما رافقها من عملية فرضها باستخدام القوة الأمنية يعتبر مخالفة إضافية أشد وطأة، بحسب مراقبين.

البيان الحكومي اعتبر "القرارات والتوجيهات المباشرة الصادرة من المجلس الانتقالي لمؤسسات الدولة وخاصة الأمنية والعسكرية منها، تدخلاً غير مشروع في عمل الحكومة".

وقال البيان: إن الانتقالي "فرض سلطة الأمر الواقع والتحشيد العسكري واختلاق الأسباب لعمل مظاهرات في شبوة وحضرموت"، كما عمل على التسبب "بتوتر الأجواء في أبين".

وهذه النقطة تحديدا هي ما استدعى الخارجية السعودية للتعليق عليها بلهجة شديدة عبر بيان اتهم الانتقالي "بتقويض اتفاق الرياض"، وهو البيان الذي دفع الحكومة اليمنية إلى تغيير مواقفها لتصبح شبيهة بموقف حليفها السعودي.

وهو ما أكد عليه بيان الفريق الحكومي الذي استند على ما أسماه "بيان رعاة اتفاق الرياض" من الأشقاء المملكة العربية السعودية في بيانهم الصادر، الذي اعتبر تلك قرارات الانتقالي مخالفة صريحة لاتفاق الرياض، وما عزز كذلك من خلال تصريحات واضحة لعدد من الدول الصديقة الحريصة على تنفيذ اتفاق الرياض.

الأمر الذي منح قوة لبيان الفريق الحكومي الأخير، تجاه ممارسات الانتقالي الأخيرة في عدن، وشبوة وحضرموت، والتصعيد العسكري في أبين.

 

انسداد الأفق السياسي

مراقبون اعتبروا بيان الحكومة، أو الفريق الحكومي الموكل إليه مهمة متابعة تنفيذ اتفاق الرياض بأنها بمثابة "إخلاء طرف" تجاه العرقلة التي شهدها اتفاق الرياض.

وأشار غير واحد من المراقبين أن هذا البيان ستتبعه تداعيات وتبعات مهمة وخطيرة على مستوى المشهد السياسي والعسكري في المحافظات الجنوبية من اليمن.

فالتأكيدات الأولية لتحليل مثل هذا البيان، تشير إلى أن الأفق السياسي في محافظات جنوب اليمن، تبدو مغلقة إلى أبعد الحدود، بعد نحو سنتين عجاف من إبرام وتوقيع اتفاق الرياض بين الطرفين.

وهذا الانسداد في الأفق السياسي بين الانتقالي والشرعية، يعني بما لا يدع مجالا للشك أن اتفاق الرياض بات في مرحلة "الموت السريري" غير المعلن، بل أنه لن يتم الإعلان رسميا عن مثل هذا الموت؛ لأسباب عديدة.

لعل أبرز هذه الأسباب هو وجود خيارات أخرى غير الخيار السياسي لاستقرار المحافظات الجنوبية، ويبدو أن هذا الخيار لن يصمد طويلا أمام رغبة الشرعية وحتى اللاعبين الإقليميين والدوليين في عودة الحكومة إلى عدن.

 

الخيار العسكري

يطرح مراقبون الخيار العسكري كبديل حتمي للخيار السياسي بعد أن أكدت كافة المؤشرات فشل اتفاق الرياض، وعدم قدرة الأطراف، أو بالأحرى عدم رغبتهم في تنفيذه.

وهو خيار صعب ومر، لكنه يعتبر خيارا لا بد منه لعودة الأوضاع إلى الاستقرار في الجنوب في ظل تكرر المواجهات والمظاهرات والاحتجاجات، وتفاقم الأوضاع المعيشية والاقتصادية.

هذه وجهة نظر مناصري الحكومة الشرعية الذين يرون أن الحكومة لن تعود إلا عبر خيار عسكري، في ظل تعنت المجلس الانتقالي الجنوبي ورفضه لعودة سلسة وطبيعية للحكومة إلى عدن وحمايتها وعدم التدخل في مهامها.

وهذا ما عكسه البيان الحكومي الأخير بشأن وضع اتفاق الرياض.