الرسائل السرية بين الرئيسين العراقي والسوري.. الحلقة (3)

(عدن الغد)خاص:

صدام عرض على الأسد (قمة سرية) في 1996.. لمواجهة هذا العدو المدعوم عربيا!!

(عدن الغد) من (الشرق الأوسط):

تناولت حلقة أمس من الرسائل بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد بداية
التواصل بينهما، بعد سنوات من الشكوك والخيبات والمؤامرات بين دمشق
وبغداد. وتتناول حلقة اليوم بدء الأسد بإرسال «تحياته إلى أبي عدي» وخوض
الجانبين في استئناف العلاقات وإعادة تشغيل أنبوب النفط بين البلدين،
وجعل سوريا بوابة لتنفيذ اتفاق «النفط مقابل الغذاء» مع الأمم المتحدة
بدلاً من الأردن، في منتصف عقد التسعينات.

«الشرق الأوسط» تكشف عن أبعاد جديدة في هذه الرسائل بعد حصولها على وثائق
ومحاضر اجتماعات نقلها خدام معه إلى باريس عام 2005، وإجرائها مقابلات
هاتفية ونصية مع القيسي للتحقق منها، إذ إن الرئيس العراقي عرض قمة عاجلة
على الحدود في 1996 وتقديم الدعم لنظيره السوري في الحرب ضد إسرائيل في
لبنان. ويقول القيسي إن صدام اتصل به في ربيع 1996 «في أثناء العدوان على
لبنان، وأبلغني أن أبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم
(العراقيون) يريدون إشارة في هذا المجال». كما اتصل به «قبل عطلة العيد،
لمحاولة ترتيب اجتماع قمة (سرية)، يضم الرئيسين، خلال عطلة العيد».
ويضيف: «إن العراقيين اعتقدوا أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع
صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع
سوريا خلال أسبوع العيد، وكانوا جميعاً فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم
لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري - العراقي هو المخلّص لهم من
الشقاء».

وفي ذلك العام من عقد التسعينات، تصاعد قلق صدام من سياسات العاهل
الأردني الملك حسين، إذ كتب للأسد مرة جديدة في مارس (آذار) 1996:
«التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن تؤكد المعلومات
المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات المتحدة، ومن ورائها
العدو الصهيوني، وإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل حلف إقليمي جديد في
المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو بالتأكيد موجّه ضد
العراق وسوريا». وينقل مبعوث عربي قام بنقل «الرسائل» أن في بغداد «قناعة
بأن (صهر صدام) حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة للملك حسين، لذلك تمت
تصفيته».

وإذ كشف مانع رشيد، رئيس جهاز الأمن الخاص بصدام، عن اجتماعات أمنية
سورية – عراقية سرّية وقتذاك، قال إن «الأردن وتركيا يريدان وضع سوريا
والعراق بين فكي كماشة». وأكد نائب رئيس الوزراء العراقي، طارق عزيز، أن
قيام تعاون بين البلدين «سيؤدي إلى تحسين مناخ العمل في المنطقة، ويُفشل
التآمر الحالي، والتحالف التركي - الإسرائيلي والأردني - التركي».

وحرص صدام على إبلاغ الأسد بأنه «استغرب» اتهامات وزير الدفاع الراحل
العماد مصطفى طلاس له باغتيال الرئيس الجزائري هواري بومدين، وأنه أصدر
«توجيهاً» بعدم الرد «حرصاً على العلاقات مع سوريا»، حسب محاضر وأوراق
خدام وحديث القيسي.

في 1 مارس 1996 استقبلتُ القيسي، وأبلغني الرسالة التالية: «تحيات الرئيس
صدام لأخيه الرئيس حافظ ولكم. يعبر عن ارتياحه لما ورد في جواب الرئيس
حافظ وما تضمنه من تطابق في وجهات النظر، سواء في السعي لفتح صفحة جديدة
في الحياة العربية، بدءاً باستئناف العلاقات الأخوية، أو في تشخيص طبيعة
المخطط الأميركي - الصهيوني الذي أصبح الأردن جزءاً منه. ويؤكد أن
الأوضاع العربية الراهنة والتدهور الحاصل في مواقف بعض الدول العربية،
والتي تشكل تفريطاً خطيراً بالمصالح العربية والأمن القومي العربي،
تستدعي بذل جهد حقيقي من جانب العراق وسوريا للتعامل مع الأخطار الناجمة
عن هذه الأوضاع، وذلك بالتصدّي لقضايانا وأزماتنا بنيّة صادقة وعقل
مفتوح، مع الأخذ في الاعتبار عامل الزمن، أي لا بد من التحرك بشكل سريع
لاحتواء كافة السلبيات والعقبات، بحيث لا يجعلنا ندور حولها أو نعلقها
بدلاً من أن نبادر بوضعها على سكة الحل».

ويضيف المحضر أن «التصريحات الأخيرة للملك حسين التي سبقت زيارته لواشنطن
تؤكد المعلومات المتوافرة لدينا من أنه يسرع الخطى لدفع الولايات
المتحدة، ومن ورائها العدو الصهيوني، لإبرام اتفاق عسكري يقود إلى تشكيل
حلف إقليمي جديد في المنطقة، تكون إسرائيل وتركيا العمود الفقري له، وهو
بالتأكيد موجّه ضد العراق وسوريا. وعليه، فإننا نؤكد ما جاء باقتراحاتنا
السابقة من أجل اتخاذ الخطوات العملية بين البلدين:

1- العراق سوف يعلن من جانبه استئناف العلاقات الدبلوماسية، ثم يأتي
ترحيب سوريا بهذه المبادرة.

2- عقد مباحثات أمنية على مستوى رئيسَي الجهاز الأمني في كلا البلدين.

3- أصبح فتح الحدود بالنسبة للعراق أمراً مهماً ضمن ضوابط يتفق عليها
الطرفان للمسؤولين والتجارة والنفط.

4- العراق سيتبنى بمباحثاته مع الأمم المتحدة اتخاذ سوريا منفذاً لتصدير
نفطه في حالة الاتفاق معها، لتطبيق مبدأ النفط مقابل الغذاء والدواء».

وبعد أن أملى عليَّ السفير العراقي هذه النقاط، أجبته بما يلي: «الواقع
أن ثمة ظروفاً أخّرت تحركنا... وحريصون على تحقيق اتصالات عربية حتى لا
يزداد الوضع تعقيداً. ونرى أن الملك حسين جاد بتحركه، لذلك نحاول ألاّ
يكون له غطاء عراقي، ولذلك نتصل بجميع العراقيين في الخارج الذين لنا
معهم اتصالات أو يمكن التأثير عليهم، حتى لا يشكّلوا ورقة التوت».

وقد حرصت على إبلاغه موضوع الاتصال بالمعارضة العراقية، لاتفاقنا مع
إيران على عقد مؤتمر للمعارضة العراقية، وذلك حرصاً على عدم تفسير تحركنا
مع بغداد على أنها مناورة. وخلال الحديث مع السفير العراقي، فهمت منه أن
خطة التحرُّك المضاد لهم، هي إما في الموصل وإما في البصرة وإما في
كركوك، وأنهم اتخذوا جميع الإجراءات لسحق التحرك. وإذا كان (التحرك)
خارجياً فسيجري استخدام أسلحة استراتيجية، وأنهم أعادوا تنشيط خلايا
الإعدام لتطال أي متآمر، ولديهم قوة طوارئ كبيرة ومجهّزة، بالإضافة إلى
الحرس الجمهوري. و«في رأيهم أن حسين كامل عاد إلى بغداد ضمن خطة الملك
حسين، لذلك تمت تصفيته وصادروا جميع الأراضي والممتلكات التي كانت عائلته
وضعت يدها عليها».

في نهاية اللقاء أبلغته أني سأعرض الرسالة على الرئيس حافظ. وفي الثالث
من مارس 1996 استقبلتُ القيسي وأبلغته ما يلي: «تحيات الرئيس حافظ مع
تحياتي للرئيس أبي عدي. لم تتح لنا فرصة إجراء الاتصالات للأسباب التي
أشرت إليها في لقائنا أول من أمس: زيارة الملك حسين لدول عربية، وزيارة
أمير الكويت إلى واشنطن، وزيارة نائب الرئيس الإيراني إلى دمشق، وزيارة
رئيس السودان، ثم كان هناك مجيء العيد، ونُجري الاتصالات لتحديد مواعيد
الزيارات لعدد من الدول العربية المعنية.

نعتقد أن الاتصالات واللقاءات المباشرة من شأنها أن تخلق فرص تحسين
العلاقات العربية وتسهيل تحقيق تصوراتنا، سواءً فيما يتعلق بالوضع العربي
العام أو بمواجهة المخطط الأميركي - الإسرائيلي... ونعتقد أن هذا الطريق
هو الأقل ضرراً، لأننا لو فاجأناهم بأي خطوة مباشرة، بالإضافة إلى أنها
ستؤدي إلى تعقيد الوضع، وسنجري اتصالاً معك لتحديد موعد اللقاء».

وقدم يحيى بكور، المدير العام لـ«المنظمة العربية للتنمية الزراعية»،
لخدام تقريراً عن زيارته لبغداد بين 31 مايو (أيار) و4 يونيو (حزيران)
1996. وحسب المحضر، الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فإن القيسي
زار بكور في غرفته، وطرح «الأهمية التي يعلّقها العراق في هذه المرحلة
على إعادة العلاقات مع سوريا، كردٍّ على الهجمة التي ترتبها أميركا
وإسرائيل بالتعاون مع الأردن وتركيا، ضد كل من العراق وسوريا معاً».

هنا، يروي القيسي أن الرئيس صدام اتصل به إلى قطر «أثناء العدوان على
لبنان، وأبلغه أن يبلغ سوريا أن جميع إمكانات العراق بتصرف سوريا، وأنهم
يريدون إشارة في هذا المجال. أيضاً اتصل به الرئيس صدام حسين إلى قطر قبل
عطلة العيد، لمحاولة ترتيب اجتماع مع الرئيس حافظ، يضم الرئيسين، خلال
عطلة العيد، وإن الرئيس صدام كان يأمل لو سمحت الظروف لعقد الاجتماع
نظراً لأهميته في هذه المرحلة»، وأن صدام، حسب القيسي، كان «يثق بأن مجرد
عقد الاجتماع سيؤدي إلى حل جميع القضايا العالقة، وأن العراقيين يعتقدون
أن الأخبار التي راجت عن عقد الاجتماع صحيحة، نظراً لأن الرئيس صدام كان
في زيارة للموصل ومناطق الحدود مع سوريا في أسبوع العيد، وكانوا جميعاً
فرحين بهذه الأخبار، لمحبتهم لسوريا، وشعورهم بأن الاتفاق السوري -
العراقي هو المخلّص لهم من الشقاء».

القيادة العراقية أبلغت دمشق وقتذاك، حسب صبري، أنها «أخذت علماً» من
الرئيس صدام بالاتصالات التي تمت والرسائل المتبادلة، والمبادرة التي
تقدم بها العراق والرد الإيجابي من الرئيس حافظ، وموافقة سوريا على مرور
النفط العراقي عبر سوريا، وقد كان «الارتياح كبيراً من جميع المخلصين»،
والعراق يريد أن تتم خطوة مع سوريا لكي يخفض مستوى علاقاته مع الأردن،
خصوصاً التجارية، وإنه يثق بأن ذلك سيكون في مصلحة البلدين السوري
والعراقي.

ويقول القيسي إن صدام اتصل به في قطر لكي يستقصي ما يحاك وأسباب زيارة
رئيس الأركان الأميركي للمنطقة. وأنه اطّلع على «رسالة واردة إليه بتوقيع
الرئيس بيل كلينتون يقترح فيها عليه الموافقة على تشكيل مجلس أمن شرق
أوسطي، يشمل تركيا والأردن وإسرائيل وقطر ومصر ودولاً أخرى، مهمته مكافحة
الإرهاب وترتيب أمور المنطقة ومعاقبة الدول التي تدعم الإرهاب».

وحسب تقرير بكور، «في اليوم الثاني (السبت) تضمن البرنامج عقد اجتماعات
مع السيد وزير الزراعة، وأعلمني وكيل الوزارة أن الأستاذ طارق عزيز
بانتظاري. وعُقد الاجتماع في مكتبه بحضور السيد أنور صبري عبد الرزاق
فقط. وقد بدأ الحديث متذكراً الأيام الحلوة التي قضاها في سوريا، وصلاته
الحميمة مع (وزير الإعلام) المرحوم أحمد إسكندر أحمد، وسأل عن أحوالكم
وصحتكم وصحة الأستاذ فاروق الشرع، وبيّن حبه لدمشق وأهلها.