تحليل سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: اليمن.. فريسة في عيون العالم!

(عدن الغد )خاص:

مقالة تحليلية حول الأهداف الحقيقية من وراء مبادرات السلام الدولية والإقليمية في اليمن.


هل هناك توافق دولي وإقليمي حول قوام الجماعات المسيطرة وحدود التقسيم؟

 

لماذا لا يتم القبول بما فشل القتال على فرضه عن طريق طاولة السلام؟

 

هل ما تطرحه المبادرات هو تبني قاعدة سلام تُجيز احتواء مضمون التقاسم الهش؟

 

كيف تم اختزال القضية اليمنية في نزاعات يمكن تأطيرها وفق إعادة بناء تشكيلات مسلحة؟

 

النقطة الشائكة في اليمن.. الحرب والسلام

 

(عدن الغد) جمال حسن

مؤخرًا، زار وفد عُماني صنعاء، محملًا بعرض سلام لجماعة الحوثي، لكنه عاد بأكياس بيج مُصفرة.

كان البعض يتساءل ماذا تحتوي تلك الأكياس؟

وليس ذلك جوهر القصة، إذ إنها على الأرجح هدايا عادية من تلك التي يحملها المسافرون معهم من صنعاء.

بينما المشهد يحمل لنا صورة عن السلام الشائك في اليمن.

 

بحسب ما وصل إلينا من معلومات، وهي قليلة، التقى الوفد العُماني زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وقيادات أخرى. ووضع على طاولة الجماعة اتفاقية لإنهاء النزاع، تتضمن فتح مطار صنعاء للرحلات التجارية، وفتح ميناء الحديدة.

على أن ذلك قابله تحفظ الحوثيين إزاء الاشتراطات المقابلة، فهم يريدون ذلك دون قيد أو شرط.

 

وأظن أنها نقطة سجال سبق خوضها في اتفاقيات سابقة، ولم يتوصل طرفا النزاع إلى حسمها.

فما الجديد في ذلك؟ هل حمل الوفد العُماني أشياء جديدة؟

قالت بعض الأخبار إن العُمانيين التزموا بإعادة تأهيل مطار صنعاء من أجل افتتاحه للرحلات الدولية.

ولا أعرف ما إن كانت الرحلات مشروطة بتفتيش في مطار بيشة، لأنه بالتأكيد ستتخلى الحكومة المعترف بها دوليًا، عن تفتيش الرحلات في مطار عدن، أو أن تلك الرحلات ستقتصر على وجهات معينة، بينما يريدها الحوثيون غير مُلزمة، ولهم حرية استقبال الطائرات من أية وجهة بحسب ما يريدونه.

 

والأمر نفسه يجري على الجانب المرتبط بتوريد مداخيل ميناء الحديدة، فالنزاع لا يقتصر فقط على توسيع رقعة السيطرة، إنما أيضًا التصرف الكلي في هذا الفضاء.

أو أن التنازل عن ذلك ربما يترتب عليه بعض الإخلال بمبدأ السيطرة.

 

وفي هذا السياق، ما لم يتم فرضه بالقتال، لا يمكن أن يتم القبول به على طاولة السلام.

وإن حدث ذلك، فهناك ألف طريقة لعدم تطبيقه، وهذا ما نلاحظه بشكل من الأشكال حول اتفاقية الرياض، بين الحكومة والمجلس الانتقالي، فدائمًا ما يجد الأخير نفسه في حالة افتعال ما يؤكد أنه الطرف المسيطر عسكريًا، بينما تبدو الحكومة ذات حضور شكلي.

فالمفهوم السياسي في اليمن لا يمكن تحديده وفق توافق سياسي يُلزم كل الأطراف بمضامينه، لأنه في واقع الحال يختل مفهوم الوطن، حتى في انحساره إلى مطالبات انفصالية من المحتمل أن تتسع دون الانحصار في الجنوب.

ويبدو ذلك واضحًا على الصعيد العام.

فما سبق ورسمته الحرب بالدم، تحاول اليوم قاعدة السلام تكملته بأطر ناعمة.

وكما يبدو، من وجهة نظر المجتمع الدولي، وربما هناك بعض التوافقات الإقليمية، أن عناصر اللعبة اكتملت، أي وجود قوام الجماعات المسيطرة، وحدود التقسيم.

وما تطرحه مبادرات السلام، سواء كان طرفها وفد عُماني، أو مبعوث أممي، أو مبعوث أمريكي، هو تبني قاعدة محددة. قاعدة سلام تُجيز احتواء مضمون التقاسم الهش. وبالتالي تشكيل مضمون توافق على قاعدة سياسية هشة، قوامه تطييف الحالة السياسية عبر عدة مفاهيم هووية كانت مذهبية أو مناطقية.

 

وكما هو حاضر، فإن تلك الصورة غير مكتملة، لكنها تبدو المُمكن، لأنها أيضًا مبنية على مرجعية تاريخية، وهي بصورة ما تلك العائدة لما قبل ثورات التحرر العربي، أي إلى ما قبل ستينيات القرن العشرين بالنسبة لليمن.

لكنها أيضًا ليست نقلًا نهائيًا، إنما تحظى بمضمون جديد؛ فهي عملية تلفيق لا يمكن التكهن بمحتواها.

 

ووفق ما نراه اليوم، تبدو اليمن مُقسمة بين طرفين، وهذا أحد المظاهر الخداعة.

وأتذكر مقالة لصحفي بريطاني التقيته في صنعاء قبل سنوات، نشرها في إدارة الأزمات الدولية، قبل عامين، يرى أن سيطرة المجلس الانتقالي على عدن حالة إيجابية، أو بما معناه، أنها عملية تستكمل الأطياف السياسية الممثلة للتوجهات اليمنية.

 

ففي واقع الحال، تم تمييع القضية اليمنية، إلى مجموعة من النزاعات التي يمكن تأطيرها وفق إعادة بناء تشكيلات مسلحة تُمثل كل طرف على حدة.

وبالتالي اختزال سيرورة تاريخية لليمن وصراعاته عبر مجموعة رؤى سطحية.

صحيح أنها مسائل تحدث على صعيد الواقع، ولا يمكن إغفال حضورها كانعكاس لمجموعة تفاعلات وتوجهات. وهذا اللغط هو جزء من قاعدة رخوة قامت عليها الدولة اليمنية، وكذلك في مفهوم السيطرة.

 

فالاستبداد لا تقيمه مؤسسة قمعية لنسيج عسكري وأمني ومؤسسات بيروقراطية وطنية، إنما تمتد لتشغلها إطارات عصبوية.

مع ذلك، كانت مُغلفة بحدود شكلية لا تعترف بها الشرائع العامة، إذ تتحدث عن الوطن كمضمون عام، وعن حق السياسة لكل يمني.

بينما تحاول تلك الحدود التعريفية التي يرسمها النزاع اليوم، إيجاد محتوى شرائعي يضمن محاصصة تمثلها تلك الأطياف المتنازعة.

بل إن ذلك يصبح حقًا لا تحدده معايير وطنية، إنما قاعدة من الانتماءات المذهبية، والتي تمثلها أحزاب، وكذلك مليشيات مسلحة.

 

هل نقول ذلك، إنه مزيج من اللبنة، أو العرقَنة، لكنه يضمن توافق أطراف إقليمية، بحيث يظل ذلك المحتوى تحت عين قوى مجاورة.

وفي الوقت نفسه يكون سياقًا عامًا لنزاع تلك القوى.

وطالما حاولت الحرب إيصال الأطراف إلى شكل من توازن يتوزع على قوى ضعيفة ومنهكة.

وبعيدًا عن حدود التأويل الذي سنلقي فيه الاتهامات هنا وهناك.

فهذا هو الواقع، وبما يحمله علينا، أو لنستعد له.

على أن سؤالًا يتبادر إلى الذهن، حول ما إن كانت تلك الرغبات والأفكار ستنجح في بلورة مجتمع كامل، ورسمه وفق تعريفاتها المصطنعة.

 

ولعلها النقطة التي قدم من أجلها الوفد العُماني، محمولًا برغبات وأفكار ورؤى جاهزة، سبق للحرب أن أعادت تنميطها إلى كانتونات.

ولا أريد الاقتراب من سنوات سابقة، لما فيها من حساسية، ولما ينسج حولها من اليقينيات المُحملة بالاتهامات.

فهناك اليوم نقطة تُطرح، أساسها الظاهري مطار صنعاء وميناء الحديدة، لكنها أبعد بكثير.

إذ يمكن استلقاء عدد من المسارات التاريخية، وعدد من النقاط التي تلتقي فيها طموحات دول، لا تقتصر على قوى إقليمية، إنما تمتد لقوى دولية.

 

إذ حضرت قضية جزيرة ميون، وعملية إقامة قاعدة عسكرية.

ثم ظهر طارق محمد عبدالله صالح، قائد قوات حراس الجمهورية، في موسكو، وكان سبقه الطرف الآخر، عيدروس الزبيدي.

والأخير صرح أثناء زيارته بريطانيا، لـ(التايمز)، بأن سيطرة الحوثي على مأرب ستعيد ترسيم الوضع إلى شمال وجنوب، كاشفًا أن سقوط مأرب في يد الحوثي يصب لمصلحة جماعته.

 

وقرأت منشورًا أن الروس يتساءلون عن ميون، بمعنى اهتمامهم في تلك النقطة الاستراتيجية من العالم، أي مضيق باب المندب، وحيث ينم الصراع في اليمن عن تقاطع أكثر من رغبة وتعارضها في سياق الصراع من أجل السيطرة على ذلك الممر.

وفي واقع الحال، لا يتبدى من ذلك سوى بلد مُلقى ينظر له العالم كفريسة.

حتى التحالف الذي تدخل بذريعة إعادة الحكومة الشرعية إلى صنعاء، يعيد رسم الصورة وفق ما هو ممكن ومُتاح، لتمتد رغباته في افتراس تلك الجزر والممرات المائية والموانئ.

وفي سقطرى هناك قصة مؤلمة عما يجري فيها، من تدمير لبيئتها، وسيطرة طرفي التحالف عبر أذرعتهما.

فالإمارات تقوم بعملية تجنيس واسعة لأبناء الجزيرة، كما سبق وفعلت ذلك في ميون.

تخيلوا بلدًا من 30 مليونًا، وبمساحة تبلغ 550 ألف كيلومتر تقريبًا، أصبح فريسة ليس فقط لبلدان إقليمية كبيرة، وتطمح فيه دول أخرى، بل أيضًا لبلد لا تزيد مساحته عن 87 ألف كيلومتر مربع، ولا يزيد سكانه عن 3 ملايين.

 

وهذا ما تفعله الانقسامات بالبلدان، خصوصًا إذا اعتمدت على قيادات ضعيفة، فإنها تصبح لعبة في يد الجميع، وكل النزاعات حولها تؤول إلى رغبة واحدة.

وتكون المحصلة: القضاء على آخر سيادة أو استقلال، وهو ما نشهده في تحركات السفراء وفي تحركات الدول، أصبح اليمنيون منسيين ومختزلين ضمن أطياف سياسية لا تعبر عنهم، وإنما شكلتها الصدفة والخراب السياسي الذي يمتد لعدة عقود، ثم جاءت الحرب وفرضتها كأمر واقع.

وهو ما ترمي إليه قاعدة السلام أن يبقى هذا الواقع وثيقة مُشرعة، وإدارة النزاعات وفق حدود تلك الوثيقة.

 

عن (المشاهد)