تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: تعطيل القضاء.. من المسئول؟!

(عدن الغد )خاص:

تقرير يتناول الأطراف المسئولة عن تعطيل القضاء في المحافظات الجنوبية وإيقاف مصالح المواطنين..

من يتحمل مسئولية تعطيل القضاء حتى اليوم؟

لماذا زج بالقضاء في الصراع السياسي فيما المفروض أن يكون مستقلا؟

لماذا لا يملك المجلس الانتقالي القدرة على إعادة فتح المحاكم؟

إلى متى ستظل حقوق المواطنين ومصالحهم معطلة؟

كيف انعكس تعطيل القضاء على زيادة الجرائم؟

هل أثبتت الأطراف المتصارعة أنها لا تهتم بمصالح المواطنين؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

السلطة القضائية هي أعلى السلطات في أي نظام حكم آمن ومستقر، وتأتي على رأس ثلاث سلطات رئيسية، هي التشريعية والتنفيذية، بالإضافة إلى القضاء.

وللأسف، فإن هذا الوضع الطبيعي، ليس متوفرا في اليمن حاليا، بسبب استمرار الحرب الدائرة منذ سبع سنوات، واضطراب الأوضاع في المحافظات المحررة، وتحديدا المحافظات الجنوبية من البلاد.

وبالنظر إلى واقع القضاء في المحافظات الجنوبية، عقب 2015، فإن القضاة لم يسلموا من الاعتداءات والانتهاكات التي طالتهم، وتسببت بتعطيل المؤسسة القضائية عن أداء مهامها.

ومن البديهي أن يتم استيعاب مثل هذه الأسباب التي يمتنع فيها القضاة عن تأدية مهامهم، ما داموا لا يستشعرون الأمان خلال قيامهم بوظائفهم، لكن ما لا يستطيع أحد استيعابه، هو أن تغلق المحاكم أبوابها لأسباب إدارية!.

فمنذ فبراير/شباط الماضي والقضاء في عدن والمحافظات الجنوبية معطّل، ومصالح الناس والمواطنين معلقة، في ظل رفض كيانات قضائية جنوبية قرارات رئيس الجمهورية.

حيث كان قرار الرئيس هادي بتعيين نائب عام جديد للجمهورية، في يناير/كانون الثاني الماضي؛ سببا في اندلاع موجة رفض واسعة لهذا القرار، الذي رأى فيه "نادي القضاة الجنوبي" تجاوزا لتفاهمات القوى السياسية بالتشاور بشأن تعيينات من هذا الحجم الثقيل.

وهو ما رآه كثير من الحقوقيين بأنه تسييس للعمل القضائي الذي يستوجب أن يكون مستقلا وغير متداخل مع غيره من السلطات التنفيذية.

من يتحمل مسئولية تعطيل القضاء؟

هناك جدل كبير، بين من يرى أحقية المنتسبين لنادي القضاة الجنوبي برفض قرارات الرئيس بتعيين نائب عام خارج إطار التشاور مع المجلس الانتقالي الجنوبي، وفق ما فرضه اتفاق الرياض الموقع بين الطرفين، وبين من ينادي بإبعاد القضاء عن الممحاكات السياسية.

وأصحاب الرأي الأخير، يستغربون من تماهي نادي القضاة الجنوبيين مع اشتراطات مكون سياسي، دون النظر لمكانة القضاء التي يجب أن ترتقي لمستوى ينأى بنفسه عن السقوط والتسليم لضغوطات السياسيين.

فمكانة القضاء يفترض أن تكون مستقلة، ولا تنظر إلا لمصالح المواطنين والبت في قضاياهم ومشاكلهم؛ حتى تعينهم على تسيير الحياة.

وبناءً على ما مضى، فإن من يتبنى هذا الرأي يحملون نادي القضاء الجنوبي ومن يقف وراءه بدفعه لمثل هذه الممارسات، مسئولية تعطيل القضاء في المحافظات الجنوبية، وبالتالي مسئولية تعطيل مصالح الناس وقضاياهم.

بينما في المقابل، ثمة من الرئاسة اليمنية والشرعية مسئولية ما وصلت إليه أوضاع القضاء في عدن والمحافظات الجنوبية، من خلال استصدار قرار من طرف واحد، دون استشارة أو التشاور مع الشريك المتمثل بالمجلس الانتقالي الجنوبي.

خاصة في ظل فرض اتفاق الرياض مثل هذه الشروط التي تحتم على الحكومة التشاور مع منتسبيها من القوى السياسي بشأن اتخاذ أي قرارات هامة.

وعطفا على هذه الاتهامات، فإن أصحابها يحملون جانب الشرعية اليمنية ومن ورائها الرئاسة اليمنية مسئولية تعطيل للقضاء.

وقد يكون هذا السبب المبني على الاتهامات الواردة هو ما أعطى بعدا سياسيا لاعتراضات نادي القضاة الجنوبي، لا يتناسب مع كونهم حماة لمنع انزلاق القضاء نحو التداخل مع السلطات الثلاث، والتخلي عن استقلاليته.

غير أن منتسبين لنادي القضاة الجنوبي يشيرون إلى أنهم أعلنوا مطلع فبراير/شباط الماضي تعليق العمل في عموم المحاكم والنيابات والمجمعات القضائية، رفضاً لقرار هادي تعيين أحمد الموساي نائباً عاماً، ليس من منطلق سياسي كما يروج معارضوهم، وإنما لاعتبارات قضائية ومهنية، بحسبهم.

واعتبر النادي القرار تعدياً من السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، ومخالفة لنصوص الدستور والقانون الذي يفرض تعيين نائب عام بناء على مقترح من مجلس القضاء الأعلى.

وقد رفع النادي دعوى قضائية أمام المحكمة الإدارية في عدن انتهت برفض الدعوى نظراً لعدم الاختصاص، غير أن المحكمة أصدرت قراراً بتعليق مهام النائب العام حتى بت الجهة المختصة في القضية.

تحركات الناشطين والحقوقيين

وبالفعل، فقط أثار استمرار إغلاق المحاكم في محافظة عدن والمحافظات المجاورة استياء ناشطين وحقوقيين جنوبيين؛ جراء توقف القضايا المنظورة في المحاكم؛ للضغط على قرارات هادي.

واعتبر غير واحد من المحاميين والحقوقيين الجنوبيين في تغريدات متفرقة على حسابهم بتويتر أن إغلاق القضاء والمحاكم في عدن "جريمة بحق المواطنين".

وحمَّل الحقوقيون الأطراف السياسية في المحافظات الجنوبية مسؤولية تعطيل مصالح وقضايا المواطنين المنظورة أمام المحاكم والنيابات، وإيقاف عجلة الحياة.

يأتي ذلك بالتزامن مع دعوة رئيس الشُّعبة الجزائية الاستئنافية المتخصصة بمحافظة عدن القاضي عارف النسي، التي أطلقها في 25 مايو/أيار الماضي؛ من أجل فتح المحاكم والنيابات في المحافظة، لما لإغلاقها من ضرر كبير وسيئ على المجتمع.

وأشار النسي إلى أن استمرار إغلاق المحاكم أدى إلى عدم الثقة بين المؤسسة القضائية والمواطنين.. 
داعياً إلى سرعة النظر في القضايا المستعجلة والفصل فيها، واستئناف أعمال المحاكم والنيابات اليومية، وما يتبع ذلك من أحكام انحصار الوراثة والوكالات ونحوها وأعمال التوثيق، وإصدار الأحكام في القضايا المحجوزة.

حجز إضافي ومعاناة

التعطيل الحاصل في المؤسسات القضائية من المحاكم والنيابات، لا يؤدي فقط إلى إيقاف وتعثر مصالح المواطنين، بل أنه يُبقي السجناء والمحتجزين على ذمة قضايا خلف القضبان، ويجعلهم حبيسي المعتقلات، بعد أن تعثر النظر في قضاياهم.

وهذا ما دفع الكثير من المعتقلين وعدد من سجناء السجن المركزي في عدن لإعلان الإضراب عن الطعام في 13 فبراير/شباط الماضي، حتى يتم البت في قضاياهم المنظورة أمام المحاكم.

وهو أمر طبيعي، ورد فعل متوقع، كنتيجة حتمية لإهمال قضايا السجناء والمواطنين، وهو ما حذَّر منه عدد من المحاميين والحقوقيين، ومن تبعاته وخطورة هذا التعطيل.

وهو ما يجعل معاناة السجناء هي الأكثر مأساوية، لا تقل عن تعطل مصالح المواطنين، بعد توقف النظر والبت في قضاياهم ومشاكلهم.

وهنا تكمن ضرورة عودة المحاكم والنيابات للعمل حتى تأخذ العدالة مجراها كما يريدها الناس، الذين بدأوا يستشعرون بالفعل بغياب الدولة التي لا تتواجد بدون قضاء مستقل وفاعل.

حتى أن بعض المنظمات الحقوقية والمؤسسات للناشطة في مجال رصد الحريات والحقوق، تؤكد أن الجرائم ازدادت مؤخرا في عدن وبقية المحافظات الجنوبية؛ كنتيجة طبيعية لغياب يد العدالة المتمثلة في السلطات القضائية.


دور الانتقالي

وبعيدا عن التفاوت والاختلاف في تحميل المسئولية، ووسط هذا الاضطراب والتباين فيما إذا كانت الشرعية أو الانتقالي هم من يتحملون المسئولية، إلا أن ثمة رأي يتحدث عن إمكانية أن يكون للانتقالي دور مغاير لما يروج له البعض ضد هذا المكون السياسي.

فكثيرون يعتقدون أن بإمكان المجلس الانتقالي الجنوبي، وبحكم سيطرته على الأرض في عدن والمحافظات الجنوبية، الاضطلاع بدور إعادة العمل في السلطة القضائية، عبر قضاة موالين له سياسيا.

وأنه بهذه الطريقة يمكن أن يتجاوز مشكلة تعطيل مصالح المواطنين، الذين لا يعفون الانتقالي من مسئولية ما وصلت إليه قضاياهم.

فحتى لو كانت الشرعية اليمنية وقرارات الرئيس هادي هي المسئولة، من وجهة نظر الانتقالي ومؤسساته القضائية، إلا أنه يمكن- للانتقالي- أن يسجل نقطة لصالحه في هذا الجانب.

وذلك إذا توفرت لدى الانتقالي الرغبة الفعلية في خدمة الناس، بحكم سيطرته على عدن وما جاورها وبما فيها من محاكم ونيابات، وسلطة الأمر الواقع التي يمارسها هناك.


صراعات السياسيين وهموم الناس

اتضح من خلال هذه القضية أن هناك تساهلا وإهمالا واضحا لمصالح الناس واحتياجاتهم وحقوقهم، التي باتت تذهب أدراج الرياح بسبب صراعات المتصارعين من السياسيين.

فالمتصارعون في عدن والمحافظات الجنوبية، لا يلتفتون لما يعانيه المواطنون، فتوقف المحاكم ليس بالأمر الهين، ولا تقل عن الخدمات المنعدمة والغائبة كالكهرباء والمياه والمرتبات وغيرها، ممن اكتوى بنيران غيابها المواطن البسيط.

والذي أصبح اليوم ضحية الصراعات بين القوى السياسية التي لا تنظر إلى أبعد من مصالحها هي، وربما أجندات ومصالح من يدعمها فقط، دون الالتفات  إلى مصالح الناس..
وهنا تكمن المأساة، التي يجب أن تنتهي، وتعود العدالة إلى مجراها الطبيعي.