سرقات مسكوت عنها

(عدن الغد) درج


رغم أن السرقات "النسائية" لم ترتقِ لتصبح ظاهرة، إلا أنها تنامت بصمت في السنوات الأخيرة.
لم يخطر ببال محمد المروي، العامل بأحد محال بيع القرطاسية بمنطقة شملان شمال العاصمة اليمنية صنعاء، أن فتاة لا يتجاوز عمرها 13 سنة، ستسرق كاميرا كانت بحوزته، أثناء تواجده في المحل؛ يروي أحمد بادي، صديق المروي، لـ”خيوط” القصة قائلًا: “دخلت الفتاة للمحل مع امرأتين في الأربعينيات من العمر، كان ذلك في نهاية سنة 2018، بقصد السؤال عن بعض الحاجات، حيث أخذ محمد يتبادل الحديث مع المرأتين اللتين وقفتا أمامه وإلهائه عن النظر إلى الفتاة التي سرقت الكاميرا بسرعة ووضعتها في حقيبتها يضيف بادي: “وبعد خروجهن مباشرة من المحل، لاحظ محمد اختفاء كاميرته، لكن كاميرا المراقبة الخاصة بالمحل كانت قد سجلت حادثة السرقة، وهو ما مكّن رجال الأمن من لقبض على الفتاة بمنطقة الحصبة بالعاصمة صنعاء”.

سجل حافل
لم تكن هذه الحادثة النسائية الأولى، بل سبقتها وتبعتها سرقات كثيرة، سجلتها الأجهزة الأمنية في العاصمة صنعاء وعموم محافظات الجمهورية، فبحسب إحصائية لإصلاحية السجون بصنعاء في يونيو 2020، اطلعت عليها “خيوط”، هناك 66 امرأة يمنية في إصلاحية صنعاء محبوسات بتهم مختلفة، منهن نحو تسع نساء، قمن بالسرقة، أربع منهن في صنعاء، وواحدة في محافظة عمران، وثلاث في محافظة الحديدة، وواحدة في محافظة إب. 

ورغم أن السرقات النسائية لم ترتقِ لتصبح ظاهرة، إلا أنها تنامت بصمت في السنوات الأخيرة بحسب المراقبين، إذ إن الحالات المسجلة رسميًّا، لا تعبر عن الواقع؛ حيث لا يتم الإبلاغ عن كل حوادث السرقة التي تقوم بها النساء، نظرًا لثقافة وعادات المجتمع المحافِظة.

الأعراس
تحدث “السرقات” في أماكن ومناسبات معينة، تأتي على رأسها الأعراس. أنغام هاني (22 سنة)، تحكي لـ”خيوط” تفاصيل السرقة التي تعرضت لها صديقتها في منتصف يونيو السنة الماضية 2020، حيث ذهبت صديقتها التي تسكن حي شيراتون بصنعاء لحضور أحد الأعرس، وعند انتهاء مراسيم العرس، قامت صديقتها بالبحث عن تلفونها في الحقيبة، لتتفاجأ أنه سرق، وحينها كادت أن تجن؛ لأنه يتضمن صورًا شخصية لها ولعائلتها، تضيف أنغام أن صديقتها قامت بالبحث عن التلفون عند بقية النساء المتواجدات في القاعة، لكنها لم تجده، وبعد مرور أسبوع على السرقة، اتصلت فتاة بصديقتي، وطلبت منها مبلغًا ماليًّا، مقابل الحصول على التلفون والصور، فوافقت صديقتي مرغمة، لكن هذه “السارقة” أغلقت التليفون الذي اتصلت منه، في اليوم التالي.

من المناسبات التي تتعرض فيها النساء للسرقة، مناسبة الولادة. حنان السكري (19 سنة)، تقول إن أسرة من جيرانهم أقامت احتفالات بمناسبة مولود خلال شهر شعبان الفائت، وأثناء انشغال الحاضرات بالزفة، أو كما يطلق عليه في صنعاء “التبنين”، استغلت إحداهن الوضع لتسرق سوار ذهب غالي الثمن، لتكتشف الأسرة لاحقًا حادثة السرقة، مرضت بسبب هذا المرأة صاحبة السوار حوالي نصف شهر. 

الازدحام
وتعتبر الأسواق والحدائق المزدحمة، من أكثر الأماكن التي تتعرض فيها النساء للسرقة من نساء أيضًا. إكرام يسر، طالبة جامعية، تقول لـ”خيوط” إنها ذهبت خلال إجازة العيد الماضي إلى الحديقة برفقة زوجة أخيها، وفي وقت الظهيرة قصدتا البوفية لشراء الغداء، لكن المكان كان مزدحمًا، وأثناء الازدحام تعرضت زوجة أخيها للسرقة إذ كانت حقيبتها شبه مفتوحة، واشتبهتا بفتاتين كانتا تقفان خلفهما، تمكنتا من الهرب. 

قصة إكرام تؤكد حكاية مماثلة لها (ع. غ)، طالبة جامعية، حيث تقول لـ”خيوط” إنها أثناء إجازة عيد الأضحى الفائت، كانت جالسة مع إحدى صديقاتها في حديقة الثورة في مكان الانتظار المخصص للنساء، وكان المكان مزدحمًا، وعند خروجهما تفاجَأتا باختفاء تلفون صديقتها، وأثناء البحث عنه، أكد عمال الحديقة أن هذا التلفون يعدّ السابع الذي سرق منذ الصباح، من زوار الحديقة. 

متسولات
وقائع اّخرى ارتبطت بالتسول، من خلال بعض من يقدمن أنفسهن كمتسولات، يقصدن منازل وشققًا بالمدن، كما توضح ريهام جحاف، طالبة جامعية، إذ تقول لـ”خيوط”، إن عمتها التي تسكن في حي سعوان تعرضت قبل خمسة أشهر تقريبًا للسرقة، حيث تمكنت فتاتان من الدخول إلى الشقة على أساس أنهن متسولات، ولم يدرك أفراد المنزل وقوع الحادثة إلا بعد هروب الفتاتين، ليتضح أنهن سرقن تلفون جلاكسي S9.

لجوء نساء للسرقة في اليمن لا تزال ممارسات فردية من قبل البعض، يمكن وصفهن بأنهن أقل تعليمًا أو من أسر مهمشة

من جانبه، حازم العوامي، صاحب محل مفروشات في حراج الجامعة بالعاصمة صنعاء، يؤكد أنه خلال أبريل الفائت تعرض لسرقة قنينة غاز، حال دخول خمس متسولات إلى المحل، إذ كن يلبسن جلابيب كبيرة، وقفن أمامه، ليغطين على متسولة خلفهن، تولت عملية سرقة القنينة. 

سرقة في الجامعات
خطورة هذه الظاهرة وصلت إلى الحرم الجامعي؛ تحكي الطالبة، العنود الورافي، أن أختها التي تدرس في كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء، اشترت جوالًا جديدًا لافتًا، لم يمضِ عليه سوى أسبوعين، إلى أن قصدت مصلى الكلية للصلاة، ووضعت حقيبتها اليدوية بجوارها، وبداخلها التلفون، بعدها دخلت إحدى الفتيات لتصلي بجوارها، تقول العنود لـ”خيوط” حينما كانت أختي في وضعية السجود، والفتاة التي بجوارها في حالة ركوع، قطعت هذه الفتاة الصلاة فجأة وغادرت المصلى، وبعد أن أتمّت أختي الصلاة، تفاجأت بحقيبتها مفتوحة، وتلفونها مفقود.

عوامل متعددة
تتعدد الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء تحول نساء يمنيات للسرقة والنشل، وترجعه الدكتورة نجاة الصائم، المتخصصة في علم الاجتماع، لـ”خيوط”، إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اليمن، والحرب والحصار المطبق المفروض على البلاد منذ سنة 2015، والذي سبب انتشار السرقة، سواء بين الرجال أو النساء، مشيرة إلى أن زيادة نسبة الجريمة بين النساء مؤخرًا، سببه أن النساء هن الأكثر تضررًا من الأوضاع، إذ تتحمل الكثير منهن مسؤوليات تفوق طاقتهن، منوهةً إلى أن استسهال هذا الطريق والتعود عليه وعدم الرغبة في العمل المتعب سبب رئيس لاتجاه بعض النسوة في هذا الطريق. 

في هذا السياق، يقدر تقرير صادر عن قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية في وزارة التخطيط والتعاون الدولي اطلعت عليه “خيوط”، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة بنسبة كبيرة في اليمن، إذ قفز معدل البطالة إلى حوالي 60% من 25% قبل الحرب، فيما وصل معدل الفقر إلى ما يقارب 78%.


عملية سهلة
من جهته يشير الدكتور محمد الفقيه، أستاذ علم النفس الإعلامي بجامعة صنعاء، في حديث لـ”خيوط” إلى أن لجوء نساء للسرقة في اليمن لا تزال ممارسات فردية من نساء يمكن وصفهن بأنهن أقل تعليمًا أو من أسر مهمشة. 

ويضيف أنه من ضمن الأسباب النفسية التي تدفع النساء للسرقة هو أنها عملية سهلة تتناسب مع طبيعة المرأة وتكوينها الفيسيولوجي؛ لأن السرقة تقوم على الحيلة والخداع، وما يسهل هذا الأمر في اليمن هو أن أغلب النساء يرتدين النقاب، حيث يستغللن عدم كشف الوجه في عدم معرفتهن أو تتبعهن، حتى ولو كان هناك كاميرا مراقبة في المحل التجاري.

ويوضح الدكتور الفقيه أن جريمة السرقة الأنثوية، في الأغلب، لا تتم من امرأة واحدة، وإنما بمشاركة أخريات، يتولين إشغال الرجل البائع، أو صاحب المحل، فيما تتولى إحداهن تنفيذ السرقة. منوهًا إلى أن عامل الجشع وحب الثراء كسبب نفسي للسرقة لا يأتي إلا من قبل فتيات متعلمات وذكيات وضمن جريمة منظمة، تقوم بها شبكات في الداخل والخارج. 

صمت مطبق
أغلب من التقت “خيوط” بهن، وتحدثن عن وقائع سرقة حدثت معهن أو مع قريباتهن أو صديقاتهن، أكدن أنه لم يتم إبلاغ رجال الأمن عن وقائع السرقة، خوفًا من أن يتطور الأمر ويتطلب الأمر التحقيق معهن من قبل الأجهزة الأمنية، لذا تفضل أغلب النساء السكوت وعدم إبلاغ الشرطة بذلك. وهو ما حذر منه العقيد عبدالله الأمير، مدير منطقة شعوب، في معرض تعليقه على القبض على امرأة تمارس السرقة بالعاصمة صنعاء في أبريل/ نيسان الفائت، أن بعض النساء يتكتمن عند سرقة تلفوناتهن أو حقائبهن، ولا يتابعن القضية، بسبب العادات والتقاليد التي تستهجن دخول النساء للأقسام ومراكز الشرطة.

وللحد من هذه الظاهرة يؤكد الدكتور، كامل العليمي، أستاذ الخدمة الاجتماعية بجامعة المستقبل الأهلية أنه لا بد من تعليم أبنائنا، ذكورًا وإناثًا، القيم الدينية والعادات والتقاليد التي تحبب إليهم اكتساب المال الحلال، وهو دور تضطلع الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، وفي المقابل على الأجهزة الأمنية القيام بدورها الرادع كما ينبغي، للحد من الجرائم بشتى أنواعها.