في الذكرى "التاسعة" لرحيل فقيد الإعلام والصحافة الحرة هشام باشراحيل (الصعود جهاراً على إيقاع المعاناة)

كتب الفنان العدني / عصام خليدي

مـتـعــدد وافــر الـخصال والشمائل المحتشد فـي رونـق شخصك الـواحـد المتجلي في إسـمك هـشـام باشـراحيل، رجـل مـن سـلالة الـرحـيل الصحفي (الـذهبي) بـالـمـعـنى التاريخي والـقيـمي للتوصيف ، مـخلص لقضايا ومعاناة بسطاء النـاس يدافع عنهم ويحق ( حقوقهم ) ، حـتى تـخالـه إنـمـا خُـلـق ليـشقى ويـنعم بـالـنـضال فـي سـبـيل (نصرة المظلومين ).

لقد كـُتب (بضم الكاف) عن الفقيد الكبير بسـجايه ووطنيته وطـيـبـته وتضحياته وتواضعه وإيثاره .. هشام باشراحيل كما كتب عن سائر أمثاله مـن الـناس الـرموز النـخـبة / الـهـيام والـــموت حباً في الوطــن وبالتالي ( تبــوأ مقامات المعاناة النبيلة والسامية )، يتمتع الـفـقـيد بحساسية مهنية وإنسانية شـديـدة الـرهافة ومـن آياتها تـفـتـح وعيه الصحفي الـشريف الحـر والـنزيه. كـان رحمـه الله يتمتــع (بـكـاريـزمـا) خـاصة جـداً ، تتـــقـدُ عيناه ببريق و ذكـاء وفــير، ولـدي مزيج من عناصر قـوة الشخصية القادرة على التأثـير والإقناع ، شجاعة ، جسارة ، حكمة ، و اقـــدام على اتخاذ المواقف الصعـبة فـــي الأوقــات الحرجة، نباهة وفطنة وحـــسن تــصرف ، كـان ( للكاريزما البــاشراحيــــلية )- إن جـهــاز التعــبـــير الأثـر البـــالغ في مكوناته ( الجينية) فتـبـلور كـل ذلـك بصورة جليلة في تعزيز وتقوية دور ومكانة (صحيفة الأيام) وذاع صيتها مـدوياً في محراب بلاط صـاحبة الـجلالة .

كان فقيدنا منازلاً ضارياً عنـوداً لأكثر التحديات شـراسـة وأبلغ الــتعـقـيدات ضراوة .. لم يجبن أو يخشى في الله لومة لائم ، رجلاً خُــلق وجُـبل عـلى امتطاء صهوة الأنــواء والخطوب الجسام والمواقف الصعبة ، بل ويـمكنني القول أنه استطاع أن يجمع بدواخلـه (رجالاً).

عـرفـتـه منـذ فـترة تجاوزت (30) قدمــــني إليــه المناضل والأديب القامة السياسية السامقة / عـمر الجاوي وتوطدت علاقتي بـه حـتى وافـاه الأجـل .

عـرفـتـه مـنـتـصراً ومـرجعاً وأبـاً رؤوفاً عطوفاً حنوناً ورباناً مـحـنكـاً (قــاد) سـفـيـنة صحيفة الأيام بـمـعيـة شـقـيـقـه الأعز ( تمام ) في أصعب وأحلك وأدق الظروف والمراحل والـــمنعطفات الـــسياسية الــتي مرت بها البــــلـد مــــنذ إعــــادة إصـــدار ( الصحيفة الباشراحيلية) ،

صـوت الحــقــيـقة والمـصداقـية والـشـفافـية مـن أجـل (نصرة) حـقوق وهموم وقضايا ( الإنسان المغيبة المهدرة ) .

نـعـم لـقـد دفـع الثمـن باهـظاً غـالياً ومـكـلفاً مـن صحـته وحـياته الـتي وهـبها عـن طيب خاطر وقناعة قـرباناً وفـداءاً لـترسيخ مـداميك حـرية وحقوق وكرامة الإنسان ، جـسـدهـا بشموخ وكبرياء ورفعة في أنصع و أبهى تجلياتها في ( التشبث ) بالقيم والمبادئ والأخلاقيات تـلـك المعايير المهنية التي تخللت مشواره الصحفي ، الأسلحة الفتاكة الضاربة التي أزعجت وأقـضت مـضاجع الجـبناء والخونة الـرعـاديـد حلفاء الشـيطان تجار الحروب مـصاصي دمـاء الشعب المنكوب الـمسحوق والمغلوب على أمره المقيـم تحت الوصاية الجبرية والـقسرية (المكبل بعقوبات الإبادة الجماعية) .. المســــتغيث الصـــارخ المصطلي المـــشوي والمحروق بــنيران جــــحيم إنقــــطاع الـتيار الكهـربائي ( القاتل والمميت ) بسبب إرتفاع وشــدة درجـة حرارة لهـيب الصيف القائـظ في (عـدن) وعدم توفير المياه وأبسط وسـائل ومتطلبات سـبل العيـش بما يكفل تلبية الإحتياجات الآدمية الضرورية و الهامة لــديمومة واستمرارية الــحياة .

 تصوروا فــي (عصر العولمة والفضاء الكوني المفـتوح والإنترنت) تتساقط قــوافــل (شــهــداء الــــكـــهـــربـاء) من المصابين بأمراض ضغط الدم والسكري والفشل الكلوي وكبار السن في (عــدن) مدينه العلم والمعرفة الريادة والتنوير والفن.

(يُـعـاقــب) الأهالي والسكان ويحرمون مـــن (راحــة النــوم والسكينة والأمــان والطـمأنيــنة والإستــقــرار).. ولاحـيـاة لــمن تـــنادي..؟!! 

ستظل مواقف ومبادئ ومهنية وحرفية ربان الصحافة العدنية والعربية / هــشام باشراحيل وشــقيــقه وأبــنائه الــكرام (النموذج – الإسثتناء) .

 الذين تصدوا وقاوموا النظام السياسي القبلي العسكري الهمجي القمعي المتخلف (بأحرف من ضياء ونور)، وفي ذات اللحظة كـانت لتضحياتهم ونضالاتهم المؤشر الواضح والصريح الراصد والموثـــق فــي ضــمـير و ذاكـرة الـوطن بالـكـلـمة والــــصوت والــــــــصورة (وإنتصار الحق) والـخـزي والعـار لـدعاة الفتنة والدمار والحروب والاقتتال الذين لفظتهم صفحات التاريخ أصحاب الدرك الأسفل المتغطرسين المتجبرين من أراقوا دماء الشهداء وأزهقوا النفوس والأرواح الطاهرة والبريـئة العابثين الناهبين المغتصبين لثرواث وخيرات ومقدرات الجنوب الثائر الصامد والأبي .

كان صوت صحيفة (الأيام) مزمجراً هادراً مهيباً ومجلجلاً إلى عنان السماء، برغم المكايدات والمؤامرات والدسائـس التي أحــيكت ضدها للنـيـل من رجالها وشيوخها وأبنائها الأبطال الذين لم يرضخوا و يستكينوا ويستسلموا للباطل والقهر والإذلال والعبودية، فرساناً أشهروا أقلامهم في وجوه الطغات المجرمين المستبدين الفاسدين .

أنقضت  (9) أعوام منذ أن فارقنا فـقـيد الوطن المناضل الجسور / هشام باشراحيل في تاريخ 16 / يونيو /2012م - ( افـتـقـدنـاه ) وفي اللـــيلـة الظـلمــاء يفـتـقـد الـبـدر.

ما أصعب صباحاتنا وأمسياتنا في ظل احتياجنا إليه بعد رحيله مؤازراً ومعيناً مسانداً ومنتصراً لما نتجرع من عذابات ويلات ومرارة وقسوة المعاناة اليومية الطاحنة وفداحة الكوارث والمصائب الأخلاقية والسلوكية وتردي الأحوال الإقتصادية والمعيشية وغياب الأمن والأمان وانعدام الشفافية والمصداقية .

برغم تعدد المنابر الإعلامية وتلاوين الخطابات والشعارات التي لا تصب لخدمة ومصلحة قضايا الجماهير الغفيرة .. تصوروا سكان وأهالي مدينة عدن يسبحون في ظلام قاتم دامس منذ سنوات ولم تستطع الحكومات المتعاقبة القيام بما يستحق الذكر .. ؟! 

أننا نحذر ونتوجه برسالة ( اسـتغـاثـة ) الى كل القائمين على أحوال وشؤون (مدينة عدن) وما يمارس ضد ناسها وأهلها من تعذيب وتنكيل أدى إلى حالة تــذمـر وغضب و إحباط عارم أوصل الشارع العدني الى حالة (غليان) سيؤدي حتماً الى (ثورة الكهرباء).. اللهم إني بلغت اللهم فأشهد.

الغائب الحاضر هشام باشراحيل عن ماذا أحدثك من أخبار بعد رحيلك وتضحياتك وبطولاتك بما لا يسر خاطرك .. هل أبلغك أننا رغم الغزو الحوثي العفاشي مازلنا نعاني حروب متعددة بين الأخوة الفرقاء - الأعداء.

  وحتى كتابة هذه السطور نطالب بصوت (العقل والمنطق والحكمة) الفوري .

 مئات الاسرى منذ سنوات يقبعون في ظلمات غياهب سجون الإحتلال والطغاة ويتطلعون الأبطال إلى لحظة الانعتاق والحرية من زنزانة السلطات المتغطرسة المتجبرة والأنظمة السياسية السابقة واللاحقة .

أعلم يقيناً أن ما حدث ويحدث لن يرضيك وأنت الواهب حياته قرباناً وفداءاً لنصرة قدسية وسمو عدالة حقوق المظلومين والبسطاء.

نم قرير العـين فقيد الوطن المبجل والجليل (أبا باشا) فـمن على شاكلتك (صناع الحياة) يسكــنون ويقيمون بين تلابيب القلوب والأفئدة ويستوطنون في ذاكــرة وضمائر شعوبهم خالدين على مر الأزمنة والعصور.

ولا يسعني في نــهاية المطاف إلا التذكير بما قــالــه المناضل والأديب والتربوي والشاعر والفنان والرسام لطفي جعفر أمان في نماذج مختارة من قصيدته الشهيرة .

 ( لي الموت..ولكم الخلود )

يا إخوتي .. / يا كل ما اتركه بعد الرحيل / هذي حروفي .. لن تموت .. لن تموت مستحيل .! / لأنها أنتم .. تواكب الزمان .. لم تزل / توزع الغلال للأجيال جيل بعــد جــيل / وتفرش الطريــق بالأمل / وتزرع النجوم في ليل السراة التائهين / وتصنع السطور جسراً للحيارى المتعبين / لأن أيامي التي حرثتها .. / وماحصدت في مــواسم السنين/  لــكـم يــا إخوتي .. / على مناكب الشموس صاعـدين .! / يا شمعتي اليتيمة التي ترفُ في الضلوع / في رعشة من إنطفاء / مازال حرفي نابضاً .. يفيض بالضياء / ويشعل المرافئ القريبة الرجاء / لإخوتي في كبرياء / فاحتضري .. / وشيعي بقـيتي الى الفــناء / فــإن أيــامــي عــلى أرضـي لم تذهب هـباء / وإن إخواني لهم في أرضهم فرض البقاء  ..!