تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: حكومة في غياهب المجهول!

(عدن الغد )خاص:

تقرير يتناول التزامات وتبعات العودة المرتقبة للحكومة إلى مدينة عدن..

هل ستكون الحكومة قادرة على الوفاء بواجباتها وممارسة صلاحياتها.. أم ستظل أسيرة معاشيق؟

قضية صرف المرتبات.. إلى متى ستظل متعثرة؟

كيف تسبب التنفيذ الشكلي لاتفاق الرياض بتعثر نشاط الحكومة؟

هل ستمارس الحكومة دورها أم أن الإشكاليات ستظل موجودة؟

لماذا الخلاف السياسي بين الشرعية والانتقالي أعمق من أن يحله اتفاق الرياض؟

هل ستعود الحكومة بكامل طاقمها؟

عودة بلا صلاحيات!

(عدن الغد) القسم السياسي:

ما زالت الحكومة اليمنية تبحث عن الاستقرار في مدينة عدن، ليس فقط منذ عقب مواجهات وأحداث أغسطس/آب 2019، ولكن منذ ما قبل هذا التاريخ بسنوات.

كان انقلاب المليشيات الحوثية على السلطة الشرعية في صنعاء خلال يناير/كانون الثاني 2015، عقب شهور من اجتياح العاصمة في سبتمبر/أيلول 2014، بداية رحلة الشتات للحكومة اليمنية.

حيث لم يستقر بها المقام في عدن بمجرد بدء اجتياح الحوثيين المحافظات الجنوبية، فتوجهت إلى العاصمة السعودية الرياض، حتى أن تحرير هذه المحافظات أواخر 2015، لم يضمن للحكومة اليمنية البقاء في عدن.
كان استهداف الحكومة من التنظيمات المتطرفة، والتفجيرات التي طالت مقراتها المؤقتة غرب عدن، في 2016، كافية لترك المدينة مرة أخرى والمغادرة إلى الرياض.

غير أواخر عام 2016، حمل معه مؤشرات لاستقرار الحكومة وعودتها إلى عدن بشكل دائم، واستمر الوضع على هذا الحال حتى تم تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي مطلع مايو/أيار 2017.

حينها بدأت الاضطرابات تدب في المدينة، وتوجتها بمواجهات يناير/كانون الثاني 2018، بين القوات الموالية للانتقالي وقوات الشرعية التي كانت مجرد حاميات لمرافق ومعسكرات الدولة في عدن.

ورغم تسليم قوات الانتقالي وقتها المرافق التي كانت قد سيطرت عليها للقوات الشرعية بعد تدخل التحالف العربي، غير أن الكَرّة أعيدت من جديد لكنها كانت بشكل أعنف خلال مواجهات أغسطس/آب 2019.

وهي المواجهات التي شكلت منعطفا خطيرا في استقرار المشهد السياسي والأمني والعسكري في عدن والمحافظات الجنوبية، فما قبل هذه الحادثة ليس كما بعدها، وفق مراقبين.

أسباب المنع
كان تواجد الحكومة في عدن متأرجحاً، طيلة تلك الفترة، ولم يستقر بها الحال حتى بعد توقيع اتفاق الرياض.

ويعود هذا التأرجح إلى العديد من العوامل والأسباب التي يرجعها البعض إلى رغبة أطراف وقوى محلية، كالحوثيين الذين يسعون دوما إلى منع استقرار الحكومة في عدن، باستغلال الجماعات المتطرفة وتفجيراتها وأعمال الإرهابية، التي تستهدف مقرات الحكومة منذ 2016، أو بالاستهداف المباشر بصواريخ موجهة كماحدث في تفجيرات مطار عدن الدولي في 31 ديسمبر/كانون الأول 2020.

فيما يرجع آخرون تأخر وتأرجح عودة الحكومة لعدن إلى رغبة قوى إقليمية ودولية في منع هذه العودة، خدمةً لأجنداتها ومصالحها، وتستخدم في سبيل ذلك أدوات سياسية محلية.

وفي كل تلك الأسباب والعوامل قاسم مشترك، يكمن في تعطيل الحياة العامة، واستمرار حالة اللا استقرار خدميا وتنمويا وسياسيا، وتواصل الانفلات والفوضى الأمنية والعسكرية ليس في عدن فقط بل وحتى في كافة المحافظات الجنوبية.

حتى أن اتفاق الرياض لم يستطع هو الآخر ضمان عودة نهائية للحكومة اليمنية إلى عدن، بل أن هذا الاتفاق بحد ذاته ظل سببا وذريعة في منع هذه العودة مجددا، وفق تأويلات وتفسيرات بنوده بحسب أهواء الأطراف المتصارعة.

مصير العودة المرتقبة
في كل المرات التي عادت فيها الحكومة إلى عدن، والتي سرعان ما كانت تغادر المدينة، دون أن تقدر على تحقيق شيء يذكر، لم تكن تمنح لها الفرصة كاملة لتنفيذ أو توفير أي من التزاماتها.

وهذا الحديث ليس دفاعا عن الحكومة، بقدر ما هو توصيف للواقع، والذي تحيط به الكثير من العوامل التي تحول دون تحقيق أهداف هذه العودة.

فمنذ 2015، لم تعد الحكومة تسيطر على شيء من المرافق الخدمية أو الإيرادية، قبل أن تستطيع إعادة تشغيل مؤسسات كالميناء والمطار ومرافق إيرادية أخرى وتطبيع الحياة فيها.

حتى هذا النجاح في تشغيل بعض المرافق هنا وهناك لم يكن كاملا، غير أن الحكومة استطاعت أن تحقق بعض الاستقرار، حتى قبيل مواجهات يناير/كانون الثاني 2018.

فلم تكن الحياة في عدن خالصة للحكومة الشرعية، فثمة منغصات وهناك من يقاسمها السلطات الامنية والعسكرية وحتى السلطة المحلية.

قد يشوب عمل الحكومة الشرعية الكثير من المخالفات المالية والتجاوزات والمشكلات، والتي اتخذت منطلقا لرفض تواجدها في عدن، لكن بعض المراقبين ينظر إلى هذه الحقيقة بأنها "حق أريد به باطل". 

فالتجاوزات المالية والفساد يمكن أن يواجه بالإثبات والإدانة، فالحكومة كانت تقوم بواجباتها والتزاماتها وتوفر الخدمات العامة الأساسية، وكانت المرتبات تصرف بانتظام سلس، دون أية مشكلات، رغم كل تلك الاتهامات.

وتبدو العودة المرتقبة للحكومة التي أقرتها مؤخرا مشاورات الرياض في جولتها الثالثة، والجارية حاليا في العاصمة السعودية، تنتظرها الكثير من المنغصات، وينظر إليها المراقبون بأن مصيرها قد لا يختلف عما سبقها.

ذلك أن هذه العودة، كسابقاتها، لم تحظ بأية ضمانات لتحقيق شيء يذكر، حتى وإن كان سبب عودتها توفير الخدمات وصرف المرتبات، وهي ذات المطالب والذرائع التي يطرحها ممثلو وفد الانتقالي في كل مفاوضات ومشاورات مماثلة.

لكن الغريب، والشيء الملاحظ، في كل المطالب التي يحرص الانتقالي ومفاوضوه على التمسك بها عند دعوة الحكومة إلى العودة، هي من أجل صرف المرتبات وتوفير الخدمات، بينما قوات الانتقالي وسلطاته المحلية هي من تسيطر على الأرض، وبإمكانها توفير ما تطلبه من الحكومة.

وهي نفس الإشكاليات التي ستواجه العودة المرتقبة للحكومة، بحسب مراقبين ومحللين، والذين يرون أن ذلك يعود لعدة عوامل.

التنفيذ الشكلي
في كل مرة تعود فيها حكومة الشرعية اليمنية إلى عدن، تبقى أسيرة قصر معاشيق، في أعلى التلال الشرقية لمدينة كريتر.

وسبب ذلك بسيط جدا، يكمن في أن اتفاق الرياض الذي يفرض على الحكومة العودة يركز على تنفيذ عدد من البنود الشكلية، ويغفل عن جوهر الاتفاق، والسبب الرئيسي لمغادرة الحكومة لمدينة عدن.

والسبب الرئيسي لوجود الاتفاق يتمثل في الجوانب الأمنية العسكرية من الاتفاق التي لم ينفذ منها أي شيء يذكر، وهي كفيلة متى ما نفذت أن تضمن استقرار تواجد الحكومة على المدى البعيد، وفق متابعين.

في المقابل، تدرك الحكومة اليمنية أنها لم تجن أي ثمار من الاتفاق، لذا فهي لا تقوى على تنفيذ أي من اسباب عودتها، كصرف المرتبات أو توفير خدمات الكهرباء وغيرها، لأنها تعي أن عودتها بلا ضمانات، وبلا حماية حتى.

وغياب الضمانات، وعدم تأمين الجانب الأمني والعسكري لن يساعد الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، وتوفير المطالب الخدمية والتنموية، وسيكتب لهذه العودة نهاية سيئة فيما يبدو.

لهذا يتوقع مراقبون أن هذه العودة التي أقرتها الجولة الثالثة من مشاورات الرياض ستكون نهايتها شبيهة بما سبقها؛ لأنها باختصار لن تعالج المشكلة الأساسية والتي من أجلها وُجد اتفاق الرياض.

وبدلا من أن يكون هذا الاتفاق سببا في الدفع نحو الاستقرار، وإنهاء أسباب الصراع بين الشرعية والانتقالي، يبدو أنه فشل في تحقيق هذا الهدف، وأكد بما لا يدع مجالا للشك أن أزمة الثقة بين الطرفين عميقة للغاية، وأن اتفاق الرياض لن يحل هذه الأزمة أو يتجاوزها، على الأقل على المدى البعيد.