قريباً في المكتبات حملة بن قَمْلا  الوَهَّابية على حضرموت

كتب/ علي الخلاقي:

في المؤلفات الحضرمية هناك شبه إجماع على وصف حملة بن قَمْلا بـ"الوهابية"، ولهذا سأصفها بمصطلح الوهابية المتعارف عليه والذي لا يتعارض مع نسبتها إلى صاحب الدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، سواء من قبل خصومها أم المدافعين عنها، كما جرت العادة بتسمية الحركات والدعوات والمذاهب بأسماء مؤسسيها: الحنفي الشافعي، الحنبلي، المالكي، بل وحتى أسماء الدول كما هو حال المملكة العربية السعودية. واتفق مع من يرى بأن تسميتها بالوهابية من قبل أهلها يقطع الطريق على أولئك الذين ينعتونها بهذا اللقب كمذمة لها، فإذا استعمل هذا اللقب من قبل أهلها، وأصبحوا يتنادون به انتفت سمة المَسَبَّة من جراء هذا اللقب.

وفيما يلي أهم ما جاء في تقديم الكتاب بقلم البرفيسور د. عبدالله سعيد بن جسار أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر-جامعة حضرموت رئيس مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر:

•  يسعفنا هذا الكتاب الوثائقي لسدِّ فجوات من تاريخ حضرموت الحديث، ولاسيما أخبار ما يعرف في الأدبيات الحضرمية (بحملة بن قملا)؛ إذ كان تناول المصادر الحضرمية لأخبار هذه الحملات الوهابية عابرًا كعبور هذه الحملات في مجرى التاريخ الحضرمي، وعادة يواجه المؤرخون أمام شحة المصادر التاريخية مصاعب كثيرة وهم يحاولون ربط حلقات التاريخ والتقريب بينها إلى أن تظهر على السطح أصول تاريخية جديدة تسهم في كشف الغامض، وتساعد على تكملة الناقص.

• وتكمن أهمية الكتاب في اعتماده على وثائق تنشر لأول مرة، وهو بهذا يقدم مادة أصيلة عن هذه الحملات التي عصفت بحضرموت في بداية القرن الثالث عشر الهجري

•عثر المؤلف على معظم وثائق الكتاب - كما أشار في التمهيد -  في منطقة يافع ضمن أرشيف نائب الشرع الفقيه عبد الحبيب بن أحمد حيدر عز الدين البكري، ولا غرو في ذلك فقد كانت الكثير من الحواضر الحضرمية التي تركزت فيها حملات بن قملا تحت حكم بعض القبائل اليافعية، ولهذا راسل (بن قملا) الحكام المحليين من آل كثير ويافع للعمل بمقتضيات (الاجتهاد الوهابي) المشار إلى بعضه في متن هذا الكتاب. وتفتح هذه الوثائق بإشارتها غير المباشرة مجالًا للتوسع في قضايا تاريخية متنوعة، منها كُنْهُ التحالفات بين سادة حضرموت ومشايخها مع المكونات القبلية، والمسائل المتعلقة بالشخصية الحضرمية، ومدى النفوذ اليافعي في حضرموت، وغيرها من المسائل.

• نجد أن العنوان (حملة بن قملا) يتماهى مع المسمَّى لهذه الحملات في المؤلفات الحضرمية، وهو أكثر دقة من مصطلح الغزو أو الاجتياح والحملات (الوهابية)؛ بوصفها حركة إسلامية تصحيحية، امتزجت فيها التطلعات السياسية مع مشروع الإصلاح الديني حتى وصلت إلى مناطق كثيرة من أصقاع الجزيرة العربية وفي بداياتها نالت تأييدًا وتعاطفًا كبيرين، وبالنسبة لحملة بن قملا على حضرموت  كان الهدف الديني الإصلاحي هو العنوان الرئيس لها، ولم تكن حضرموت ضمن التطلعات السعودية السياسية قريبة المدى وفي دواخل الكتاب وضّح المؤلف البعد الاقتصادي لهذه الحملات، ليس فقط من خلال الأموال التي فرضوها ليرتفعوا عن بعض المناطق التي دخلوها عنوة، بل من خلال التشكيل القبلي اليمني لهذه الحملات، والذين وجدوا في الموجة الإصلاحية العاتية في شرق الجزيرة العربية فرصة للرزق تحت غطاء هذا الخطاب الديني الحاد، الذي قسم المؤمنين إلى مسلمين ومشركين، ومع ما يتسم به هذا الطرح  من غلو، فإنَّ الحضارمة ركنوا في غالب الأحيان إلى الأسلوب المرن في التعامل معهم ومع ما يقومون به من تهديم للقبور والقباب مما أتاح لهم فرصة للانتظار حتى تهدأ العاصفة.

• وبنهاية الحملات الوهابية على حضرموت عادت الأمور فيها إلى سيرتها الأولى، لكنها أحدثت صدمة في ثوابت المجتمع الحضرمي، ترحلت صداها في الثقافة المحلية والشفاهية، وصار (بن قملا) يرمز فيها للغزاة والطامعين، ثم استقرت بعض خبايا القصة في دواخل الوثائق وطيَّاتها إلى أن جاءت (حملة الخلاقي) التاريخية العلمية فأعاد إحياءها في ثوب جديد لنستلهم منها الحكمة وتدلنا على جادة الطريق.

• ومؤلِّف الكتاب البروفيسور علي صالح الخلاقي غنيٌّ عن التعريف، وله عشرات المؤلفات التاريخية الرصينة، وخاصة ما يتعلق بالتراث اليافعي، وعلى صعيد العلاقة الشخصية البينية، وفي بعض محاولاته الشعرية يظهر محبته لحضرموت وأهلها، ويبدو أن هذا الشعور الصادق كان حافزًا ليُعِدَّ عُدَّتَه ويجهز حملته العلمية ويتحفنا بهذا الكتاب الوثائقي، الذي جرت أحداثه في حضرموت، واحتفظت يافع بأسرارها  لحين من الدهر، وها هو يبوح ببعضها، وبقي أن نستمع إليه، ونشد الرحال معه.