تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: الحراك الجنوبي.. هل تم إقصاؤه من المشهد؟

(عدن الغد )خاص:

تقرير يتناول المصير السياسي للمحافظات الجنوبية مع اقتراب مفاوضات الحل النهائي في اليمن..

أين تقف المحافظات الجنوبية من التسوية السياسية القادمة؟

كيف تسببت الصراعات خلال السنوات الماضية بإهدار فرصة الانفصال؟

من هي القوى السياسية التي يمكن أن تمثل المحافظات الجنوبية؟

الصراعات بالمحافظات الجنوبية.. كيف دفعت الناس للقبول بأي تسوية سياسية؟

المستجدات الأخيرة.. هل ستدفع الانتقالي والشرعية للتوحد أم أن خلافاتهما أعمق؟

 

(عدن الغد) القسم السياسي:
يُجمع المتابعون للشأن اليمني أن الحرب التي عصف بالبلاد منذ قرابة سبع سنوات، أوشكت على أن تضع أوزارها.

وذلك عطفا على الزيارة الأخيرة للوفد العُماني إلى صنعاء، ولقاءه بقادة المليشيات الحوثية، بعد أن عجز الوفد التفاوضي الحوثي في مسقط على البت في الكثير من تفاصيل إنهاء الحرب.

وما يجعل هذا الإجماع حول اقتراب الحل النهائي للأزمة اليمنية، وصمود هذا الرأي في وجه المشككين هو التصميم العماني على إنجاح الجهود والمشاورات التي كانت قد بدأت بجدية منذ شهور في السلطنة.

ويعتقد مراقبون أن مسقط لا يمكن لها أن تعرض سمعتها الدولية للفشل إلا إذا كانت متأكدة من تحقيق النجاح، وما يؤيد هذه الاعتقاد علاقة السلطنة القوية بطهران، باعتبارها الداعم الحصري والرئيسي للمليشيات الحوثية، والمؤثرة الأولى على قرارات الجماعة الانقلابية.

لهذا، يرى كثيرون أن اليمن مقبل على مرحلة من التسوية السياسية المؤكدة، ستبدأ بشائرها بقبول الحوثيين ومن ورائهم إيران بالمبادرة السعودية، القاضية بفتح جزئي لمطار صنعاء وميناء الحديدة، ووقف إطلاق النار، قبل الخوض في مفاوضات نهائية.


مصير المحافظات الجنوبية
وسط كل تلك المعمعة، والجهود الساعية لإنهاء الحرب، والجلوس مع الحوثيين على طاولات المفاوضات، يتبادر إلى الأذهان الوضع في المحافظات الجنوبية، وما مصير كل تلك الصراعات التي يغرق فيها الجنوب.

فرغم أن أبناء المحافظات الجنوبية نجحوا في تحرير مدنهم من سيطرة المليشيات الحوثية، في وقت مبكر من هذه الحرب، واستطاعوا تحقيق نقطة الضوء الإيجابية الوحيدة في الحرب على الحوثيين، إلا أن مصير هذه المنطقة من اليمن، يكتنفه الغموض.

ومن خلال ما يتحدث عنه الوسطاء الدوليون بين الحوثيين والتحالف العربي والشرعية اليمنية، ليس هناك ما يشير إلى وضع المحافظات الجنوبية في تلك المشاورات والمفاوضات المرتقبة، والتي إن بدأت فإنها حتماً ستضع حداً للحرب والأزمة اليمنية برمتها.

ويعتقد محللون أن المحافظات الجنوبية، والمطالب التي ينادي بها معظم أبناء تلك المحافظات منذ أكثر من 15 عاما، لا تجد آذاناً صاغية لدى اللاعبين المؤثرين على الساحة الدولية.

الأمر الذي يجعل المصير السياسي للمحافظات الجنوبية، ومشهد ما بعد التسوية السياسية المرتقبة، غامضا وبلا معالم، في ظل انتشار حمى الشعارات التي لم تنتصر لأي مطالب حقيقية جنوبية على الأرض حتى الآن.


أسباب التهميش
يرى البعض أن هناك العديد من الأحداث التي أعقبت تحرير عدن ومدن المحافظات الجنوبية من الحوثيين، أوحت بدلالات عميقة لدى الفاعل الدولي، تجاه هذه المنطقة من اليمن.

ويبدو ان هذه الإيحاءات هي من دفعت الفاعلين الدوليين، إلى ضرورة ضبط إيقاع هذه المنطقة، وإلجام صراعاتها التي لم تنته منذ 2015، وما زالت حتى اليوم.

بل أن بعض القوى العالمية استذكرت تاريخها مع هذه المنطقة من اليمن، حينما كانت دولةً مستقلة مرتهنة لأيديولوجيات منغلقة غارقة في الصراعات المناطقية والتصفيات الدموية التي لم تقف عند حد معين.

ولعل العالم وهو يرى ذات الصراعات التي تحمل طابعا مناطقيا تتكرر اليوم، وبطريقة أكثر ألماً ومأساوية، سارع في تهميش قيادتها أولاً، وحرص على ألا تمضي هذه المنطقة في استعادة استقلالها حتى لا تؤثر صراعاتها المستمرة على الإقليم والعالم برمته. 

كما أن المهتمين بوضع حد للأزمة اليمنية يعتقدون أن الصراعات يمكن لها أن تستمر وتتواصل في حالة منح هذه المنطقة من اليمن فرصة لتمثيل نفسها، وهو ما تحاول القوى الدولية تجنبه.

وبعيدا عن المتسبب في رسم هذه الصورة السيئة والسلبية للمحافظات الجنوبية لدى العالم، إلا أن الوضع يتحمل مسئوليته أبناء المحافظات الجنوبية أنفسهم، وليس لأحد يد في هذا الوضع الذي وصلت إليه هذه المحافظات الجنوبية سوى من بني جلدتها.

ففي الوقت الذي سطر الجنوبيون مآثر بطولية في دحر المليشيات الحوثية عام 2015، إلا أنهم فشلوا في استقرار محافظاتهم ومنعها من الانزلاق نحو هاوية الصراعات.

وهو ما يدركه المجتمع الدولي ويعيه جيدا، ويعلم بأن المجازفة في هذه المنطقة المطلة على ممرات النفط العالمي وطرق الملاحة والتجارة الدولية، بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر.

وبذلك يكون أبناء المحافظات الجنوبية وعلى رأسهم قادتهم قد أهدروا من بين أيديهم فرصا عديدة وحقيقية لجني ثمار نجاحاتهم العسكرية ضد الحوثيين.


لسان حال المواطنين
هذا الوضع الذي تعيشه المحافظات الجنوبية، والانقسام الحاصل بين محافظات الشرق والغرب والوسط، ليس غائبا عن مواطني الداخل، تماما كما هو حاضر في إدراك القوى الدولية.

فما تعيشه عدن، وما جاورها في لحج والضالع، وأجزاء من أبين (غرب المحافظات الجنوبية) يسيطر عليها المجلس الانتقالي وقواته، تختلف كليةً عن أوضاع الأجزاء المتبقية من أبين ومحافظة شبوة (وسط المحافظات الجنوبية) التي تسيطر عليها القوات الحكومية.
فيما تحظى محافظتا المهرة وحضرموت (شرق المحافظات الجنوبية) بوضع آخر بعيد عن نظيراتها في الوسط والغرب.

كما أن الحالة التي تعيشها سقطرى فريدة من نوعها، وتتباين مع نظيراتها الجنوبيات من المحافظات المنقسمة على نفسها.

وهذا ما يدركه ويلمسه المواطن العادي في المحافظات الجنوبية، ويفرض عليه التسليم بحقائق جديدة لم يكن يتخيل أنه سيقتنع بها قبل أربع سنوات من الآن.

هذه الحقائق تتمثل في إمكانية قبول مواطني المحافظات الجنوبية بأية تسوية سياسية ممكنة تتيح تغيير واقع المواطنين المعيشي والخدمي، بعد اربع سنوات من تجربة الشعارات.

فالصراعات المتتالية التي أنهكت كاهل المواطنين في المحافظات الجنوبية، قد تدفعه للترحيب بأية تفاهمات مهما كان شكلها، توفر للجميع سبل عيش مناسبة، عقب سنوات من الحرب والصراعات المناطقية.


شكل الدولة القادم
من المؤكد أن الحوثيين يرفضون النظام الفيدرالي لشكل الدولة اليمنية، وكان من أبرز أسباب انقلابهم على الشرعية.

غير أن هذه الأخيرة متمسكة بخيار الدولة الاتحادية، ومن المؤكد أيضاً أن تكون هذه الجزئية هي أساس الخلاف في اية مفاوضات للتسوية السياسية.

وفي ظل هذا الخضم، تبقى المحافظات الجنوبية تنتظر ما سيقره الحوثيون والتحالف والشرعية اليمنية، وقد يثير هذا جدل الكيانات السياسية المتحدثة والمتبنية قضية الجنوبيين.

غير أن نسبة كبيرة من مواطني الجنوب اليوم باتوا في انتظار استقرار أكيد يتجاوز مرحلة الصراعات المتواصلة منذ أكثر من أربع سنوات، بغض النظر عن شكل الدولة القادمة.

فالأهم عند غالبية الجنوبيين، هو توفير الخدمات وظروف معيشية أفضل، يكون عنوانها صرف متواصل للمرتبات، وانتظام خدمة الكهرباء والمياه، واستقرار الأمن وتجاوز مرحلة الانفلات والفوضى الأمنية.

غير أن ما قد يقف حجر عثرة أمام أية تسوية سياسية شاملة قادمة هي قادة المكونات السياسية في المحافظات الجنوبية، والتي ترى أن لها الحق في التواجد ضمن تفاصيل هذه التسوية، وتشكيل معالم المشهد القادم.


قوى الجنوب.. ما مصيرها؟
وسط كل هذا الجدل من مآلات المفاوضات والمشاورات المرتقبة، تبرز القوى السياسية في المحافظات الجنوبية، سواء تلك التاريخية، أو من تسيطر عسكريا.

والقصد هنا يتجه نحو الحراك الجنوبي السلمي بكافة فصائله، بزخمه التاريخي والنضالي الذي بدأه قبل 15 عاما، بطريقة سلمية غير عنيفة، وما زال مستمرا على هذا المنوال إلى اليوم.

كما يذهب القصد إلى المجلس الانتقالي الجنوبي الذي دخل على خط القضية الجنوبية وتبناها وفرض نفسه مفوضا باسمها، وحقق خلال ثلاث سنوات ما لم يحققه الحراك السلمي منذ عقد ونصف.

لهذا يتبادر التفكير نحو هذه المكونات التي تبنت القضية والمطالب الجنوبية، ويتساءل الكثيرون عن مصيرها في ظل تسوية يمنية برعاية دولية لم تتطرق إليها حتى الآن.

وهو ما تدركه تلك القوى الجنوبية، وتستوعبه جيدا، وهو ما ألمح إليه بعض المراقبين في كتاباتهم مؤخرا، حول أسباب تواجد قيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي بعدن منذ أسابيع.

ويذهب هؤلاء إلى اعتبار أن هذا التواجد يأتي في إطار الضغط لإشراك الانتقالي في التسويات المرتقبة، وهو في سبيل ذلك، يسعى لفرض تحركاته التي بدأها رئيس المجلس اللواء عيدروس الزبيدي وبكثافة مؤخرا.

ولا يعلم أحد بمصير القوى الجنوبية الممثلة لمحافظات الجنوب، رغم مواقفها الحادة تجاه ما يجري؛ لكن الشيء المؤكد هو أن المجتمع للدولي لا يهتم حاليا إلا بوضع حد للحرب والأزمة برمتها، ولا يلتفت للقضايا الفرعية والجانبية إلا لاحقا، عقب فرض تسوية بين الحوثيين من جهة، والتحالف العربي والشرعية اليمنية من جهة أخرى.


شراكة الانتقالي والشرعية
يقترح محللون على المجلس الانتقالي التوجه نحو الأقربين، بمعنى أن يلجأ إلى الشرعية اليمنية، لضمان التواجد في التسوية السياسية المرتقبة.

ويطرح المحللون هذا الاقتراح عطفا على كون الانتقالي جزءا من حكومة المناصفة المتمخضة عن اتفاق الرياض، والذي أسس لعلاقة تشاركية بين الطرفين.

بل أن بعض المحللين يذهب إلى أبعد من ذلك حين يشير إلى أن الجولة الثالثة الجارية حاليا من اتفاق الرياض بين الشرعية والانتقالي في العاصمة السعودية تصب في هذا الجانب.

حيث يرون أن التحالف العربي يسعى إلى لم شمل الطرفين وتجاوز خلافاتهما وتكوين جبهة موحدة تمهيدا لمشاركة أقوى ومشتركة في مفاوضات الحل النهائي المرتقبة مع المليشيات الحوثية.

إذ يؤكد أكثر من واحد من المراقبين أن ما يدور في الرياض بين الانتقالي والشرعية لا ينفصل عما يجري من مفاوضات بين الوفد العماني والحوثيين في صنعاء، فكل تلك الجهود قد تفضي لتسوية شاملة، تضم كافة الأطراف.