تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: الريال اليمني.. انحدار نحو الهاوية !

(عدن الغد )خاص:

تقرير يبحث في أسباب تدهور القيمة الشرائية للعملة المحلية أمام العملات
الأجنبية والحلول المقترحة لوقف الانهيار المريع..
انهيار متسارع للريال اليمني ولا حلول تلوح في الأفق!
ما حقيقة طباعة المركزي مزيداً من الأوراق النقدية والتسبب في ارتفاع مستوى التضخم؟
لماذا اتسعت الفجوة بين العرض والطلب في السوق المصرفية؟
ما أبرز المسببات الحقيقية لتدهور القيمة الشرائية للريال مقابل العملات الأجنبية؟
وما أبرز الحلول التي اقترحها خبراء اقتصاديون لوقف انهيار الريال؟
كيف أثر انقسام الإدارة العليا للمركزي إلى 3 إدارات (عدن، صنعاء، مأرب) في تدهور صرف العملة؟

تقرير / صديق الطيار:
تشهد العملة المحلية (الريال) تراجعا مستمرا في قيمتها الشرائية أمام العملات الأجنبية، حيث هبطت إلى أدنى مستوى لها في تاريخها، مع استمرار حالة الانقسام الاقتصادي والنقدي وانعدام الثقة في القطاع المصرفي الرسمي وحظر الطبعة الجديدة من العملة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.
وتخطى سعر الدولار الأمريكي خلال تعاملات الساعات الأخيرة حاجز 924 للشراء و929 للبيع أمام الريال، في حين ارتفع سعر الريال السعودي إلى 243 للشراء و244 للبيع.

تداعيات التدهور
وانعكست عملية تدهور الريال الوطني، على مجمل الأوضاع المعيشية، حيث شهدت أسعار المواد الضرورية والغذائية والاستهلاكية صعودا إضافيا بنسبة عالية، مقارنة بأسعار الأيام الماضية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الضرورية، بنسبة كبيرة في الأسواق التموينية، عقب التدهور الذي شهدته العملة الوطنية خلال الأيام الأخيرة.
كما تنعكس أزمة العملة على القوة الشرائية في غالبية المحافظات جراء ارتفاع أسعار السلع التي تستورد من الخارج بالعملة الصعبة، ويرفع التجار سعرها لتغطية العجز الحاصل في قيمة الريال، الأمر الذي يزيد المخاوف من شبح مجاعة تلوح في الأفق المعتم أكثر من أي وقت مضى.
وأبدى مراقبون مخاوفهم من الآثار والتداعيات السلبية التي تخلفها عملية انهيار الريال الوطني، لا سيما في ظل الانقسام النقدي الحاصل، وحظر الطبعة الجديدة من العملة في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، حيث تسببت عملية اتساع الفجوة في فارق الصرف، مؤخراً بارتفاع عمولة الحوالات النقدية الصادرة من مناطق الشرعية، إلى مناطق الحوثيين، بنسبة وصلت إلى 55%.
وعمل تمايز الأنظمة المصرفية في مناطق الشرعية، ومناطق سيطرة الحوثيين، على اتساع فارق سعر الصرف، بين تلك المناطق، حيث استقر سعر الدولار في المحافظات الواقعة ضمن نطاق سيطرة جماعة الحوثي عند حاجز الـ600 ريال.

حقيقة طباعة أوراق نقدية جديدة
وتأتي عملية تدهور العملة المحلية، في ظل اتهامات للبنك المركزي بطباعة  مزيد من الأوراق النقدية، والتسبب في ارتفاع مستوى التضخم، في حين تفضل إدارة البنك المركزي الصمت وعدم إيضاح هذه المسائل، لا سيما مع ما تشهده العملة الوطنية من انهيار مستمر مقابل العملات الأجنبية.
في المقابل استبعدت مصادر اقتصادية صحة الأنباء التي تتحدث عن استمرار البنك في طباعة مزيد من الأرواق النقدية الجديدة، مشيرة إلى أن البنك في إطار إدارته للسياسة النقدية يعمل على تأمين احتياجاته من النقد المحلي لأغراض محددة.
ولفتت المصادر إلى أنه يجب التفريق بين طباعة وتخزين النقد لتأمين احتياجات البلاد من العملة المحلية، وبين إصدار النقود لأغراض محددة
أيضا، بحيث يكون الانتقاد لإصدار نقد لتغطية عجز إيرادات الحكومة في تغطية نفقاتها وهي سياسة مالية ليس للبنك المركزي علاقة فيها.
ونفى خبير اقتصادي يعمل في البنك المركزي وجود إصدارات نقدية جديدة من قبل الحكومة، وذلك عقب أنباء تداولتها مواقع إلكترونية تتحدث عن إصدار البنك المركزي طبعة جديدة من العملة الوطنية لتغطية العجز المالي الحكومي.
وقال الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي إن "ما يصل للبنك المركزي في عدن حاليا هي عبارة عن طبعات نقدية لعقود سابقة، ولا تأثير لها على سوق الصرف"، بحسب ما نقلت عنه (يمن شباب).

عملية المضاربة
ومؤخراً نشطت عملية المضاربة بالعملة وزاد الطلب على شراء العملات الأجنبية في العاصمة المؤقتة عدن، وكافة المحافظات التي تديرها الحكومة الشرعية نتيجة التوسع في عملية الاستيراد، خصوصا استيراد الوقود والمشتقات النفطية، حيث يستفيد كافة التجار والمستوردين في مناطق الحوثي من المزايا التي يقدمها النظام المصرفي في مناطق الشرعية (نظام التعويم الحر)، ويحصلون على الكميات المطلوبة من النقد الأجنبي لتوفير عمليات الاستيراد، وهو ما يعمل على اتساع الفجوة بين العرض والطلب في السوق المصرفية.

إعادة الدورة النقدية
ويرى اقتصاديون أن استعادة الثقة بالبنك المركزي والقطاع المصرفي الرسمي لدى التجار والمودعين سيعمل على استقرار السوق المصرفية، من خلال جلب الودائع الاستثمارية بالنقد الأجنبي، كما سيعمل على إعادة الدورة النقدية إلى القطاع المصرفي الرسمي، بعد أن شهدت اختلالا واضحا خلال السنوات الماضية، نتيجة لجوء كثير من المواطنين والمودعين إلى وضع أموالهم ومدخراتهم في منازلهم وفي محلات الصرافة غير الرسمية.
وخلال السنوات الماضية منذ بدء الحرب، شهدت إجمالي الودائع المصرفية تراجعًا من 2225،7 مليار ريال عام 2014، إلى 2150 مليار ريال عام 2015، وبتغير سلبي، بلغ 3،4% عن العام 2014، نظراً لقيام المودعين بسحب مدخراتهم وودائعهم من البنوك والاحتفاظ بها في المنازل، تخوفا من أزمة سيولة أو اهتزاز المراكز المالية للبنوك، وفق تقرير المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن قطاع الدراسات والتوقعات في وزارة التخطيط والتعاون الدولي.

أسباب الانهيار
وقال مختصون وخبراء اقتصاديون إن من أبرز مسببات تدهور سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية هو تزايد الفجوة بين العرض والطلب من العملات الأجنبية في السوق بسبب زيادة الطلب على العملة الناتج عن زيادة الطلب على السلع المستوردة لأسباب من أهمها زيادة عدد السكان، وضعف الإنتاج المحلي، والمضاربة في العملة، والشلل في التحكم في السوق بسبب ضعف البنك المركزي وتقسيمه بين عدن وصنعاء.
يضاف إلى ذلك الحرب القائمة في البلاد منذ أكثر من 6 سنوات والاضطرابات السياسية واستخدام العملة والاقتصاد وسيلة من وسائل الحرب بين أطراف الصراع المختلفة، بالإضافة إلى ما أحدثته هذه الحرب من تأثير سلبي على مستويات الإنتاجية وعلى الاستثمار، مما أدى إلى تراجع هائل في المنتوج الاجتماعي الإجمالي لاقتصاد البلاد.
ورأى المختصون والخبراء إن إيقاف إنتاج وتصدير النفط والغاز تسبب في ضعف موارد البلاد من النقد الأجنبي، ونضوب رصيد الدولة من العملات الصعبة،
وفقدان كثير من موارد النقد الأجنبي مثل توقف القروض والمنح والمساعدات، وضعف تحويلات المغتربين، وتوقف الاستثمار الأجنبي، وهجرة رؤوس الأموال إلى الخارج بسبب الاضطرابات السياسية في البلاد منذ عام 2011.
وأوضح الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي أن السبب الرئيسي في انهيار العملة الوطنية يعود إلى "العشوائية في استيراد المشتقات النفطية وعدم تنظيمها وهو ما شكل ضغطا على العملة الأجنبية في مناطق سيطرة الشرعية فقط".
كما ذكر أن من بين أسباب الانهيار أيضا هو الطلب المتواصل للعملة الأجنبية لتغطية احتياجات المواطنين في المحافظات غير المحررة الخاضعة لمليشيات الحوثي.
وتابع: "هناك (دولرة) في المناطق الخاضعة للحوثي، بسبب تهالك الطبعة القديمة من العملة المحلية واضطر المواطنون هناك إلى استبدال العملات الأجنبية كبديل للعملة القديمة".
ولفت الفودعي إلى وجود معوقات كثيرة تحد من فعالية السياسة النقدية خارج إطار البنك المركزي اليمني، مؤكداً أن استمرار الحرب في اليمن عملت على تسريع انهيار العملة المحلية.
وشدد على ضرورة ضبط سوق الصرف بالتكامل بين البنك المركزي الذي يقوم بإدارة السياسة النقدية والحكومة ممثلة بوزارة المالية.

ضعف البنك
وذهب مختصون اقتصاديون إلى أن من أسباب تدهور العملة المحلية هو عدم قيام البنك المركزي اليمني بمهامه في مجال تحديد سعر الصرف وترك أمر تحديده لصالح السوق غير النظامية مثل محلات ومؤسسات الصرافة، مع ضعف التنسيق مع البنوك التجارية والبنوك الإسلامية، وكذلك تخلي البنك المركزي عن توفير النقد الأجنبي لتمويل احتياجات الاستيراد، وعدم قيام الإدارة العليا في البنك المركزي في عدن بالمهام المناطة بها.
وانقسمت الإدارة العليا للبنك المركزي إلى 3 إدارات (الإدارة العليا الرسمية في عدن، والإدارة العليا بصنعاء المعينة من قبل سلطة الأمر الواقع الحوثية، والثالثة في محافظة مأرب)، وبالتالي انعدام وجود سلطة وإدارة عليا واحدة ومركز واحد لاتخاذ القرار في مجال السياسة النقدية عموما وسياسة سعر الصرف خصوصا، وهو ما يؤثر بشكل كبير على تدهور صرف العملة، إلى جانب غياب تأثير السياسة النقدية وأدواتها الخاصة بالتدخل في ضبط سعر الصرف ووقف تدهوره.
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن خلق نوع من الاستقرار المعقول في سعر صرف العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية يكمن في استعادة الثقة بالبنك المركزي من جهة، والبنوك التجارية من جهة أخرى، وتعزيز العلاقة بينهما ورجال الأعمال، وذلك بالسماح لرجال الأعمال بالوصول إلى ودائعهم والسحب منها بحرية طالما السحوبات في الإطار المسموح به.

ما هي الحلول؟
وأوضح الخبراء أنه يجب تعزيز موارد البلاد من النقد الأجنبي عن طريق إعادة إنتاج وتصدير النفط والغاز، وتوريد قيمة المبيعات إلى حسابات البنك المركزي التي توقفت منذ 6 سنوات، وضرورة توريد الموارد السيادية وغيرها من موارد النقد الأجنبي من المصادر المختلفة إلى البنك المركزي لدعم رصيد البنك من العملات الأجنبية، وهو ما سيسهم في دعم موقف الريال اليمني في السوق وخلق حالة من الاستقرار لإيقاف نزيف العملة.
كما يجب تنظيم نشاط محلات الصرافة وتعزيز الرقابة على نشاطها وفقا للقانون، والحد من المضاربة غير المشروعة بالعملة، والتوقف عن طباعة أي عملات جديدة للريال دون وجود غطاء رسمي، وتأمين الاستيراد وذلك بتوفير رصيد دائم في البنك المركزي، بحسب الخبراء.
وبحسب مراقبين، فإن الإشكالية، في عملية انهيار الريال، لا تقتصر على دور البنك المركزي، وغياب أدوات السياسة النقدية، بل أن الأمر مرتبط بضرورة تفعيل المالية العامة للدولة، وإعداد الموازنة السنوية المالية، وتفعيل موارد البلاد من النقد الأجنبي، وتوريدها إلى البنك المركزي اليمني، وكذلك ضرورة توريد الموارد السيادية وغيرها من موارد النقد الأجنبي من المصادر المختلفة إلى البنك المركزي لدعم رصيد البنك من العملات الأجنبية، وهو ما سيسهم في دعم موقف الريال اليمني في السوق وخلق حالة من الاستقرار لإيقاف نزيف العملة.
وأكد الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي أن أهم الحلول لتجاوز الأزمة المالية في البلاد تتلخص في التكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، ووضع مصفوفة من الإجراءات التي من شأنها أن تضع حدا لمشكلة تدهور العملة.
ويؤكد مصرفيون، أن الانقسام النقدي، وازدواجية القرارات المصرفية، وحظر الطبعة الجديدة من العملة، في مناطق سيطرة الحوثيين من الأسباب المباشرة، التي أسهمت في معاناة العملة، وأدت إلى تدهور قيمة الريال، وفاقمت من الأزمة المالية في البلاد.
وطالبوا بضرورة حل هذه الإشكالية، عبر تدخلات جدية مباشرة، تلامس الجذور الأساسية في انهيار العملة، ومنها العمل على توحيد القرارات المصرفية، وإنهاء عملية الانقسام المصرفي، والسماح بتداول الطبعة الجديدة من الريال اليمني.