قصة قصيرة : صاحب الكف

عدن ((عدن الغد)) خاص:

صاحب الكف 
لـ " محمد الخضر المحوري "

استوقفني زهاء الخمس ثوانٍ وأخذ يحدق في وجهي باستغراب ، هكذا دونٍ عن بقية المارة، كدت أسأله:
مالذي تريده مني .
فأزاحني بكف تنقصها السبابة  بقوة دون اكتراث، وانخرط في الحشد المتزاحم، تعقبته بنظراتي مترصدا التفاتة تند منه خلسة فلم يمنحني ذلك، وراح يشق البحر المتلاطم باستقامة عجيبة.
قفلت عائدا صوب المنزل، وما إن أسندت ظهري حتى وخزتني زوجتي بثرثرتها المملة  :
ياله من فض غليظ صديقك الذي جاء يسأل عنك اليوم، يبدو إنك قد أخطأت بحقه، لقد بدأ غاضبا، يكاد الشرر ينط من منخريه الكبيرين .
قاطعت استرسالها المتتالي :
متى جاءكم.
فرمقتني بلامبالاة وراحت تثرثر غير عابئة ، بما تفوهت به.
اختر اصدقائك بعناية، أو على الأقل ليتصنعوا  بعض اللطافة في حديثهم مع الأطفال، لقد أفزع حسان بكفة ذات الأربع صابع ، وانتشى فرحا حين أحس بذلك.
لم أشعر بنفسي إلا خارج المنزل، أعالج في رأسي هذا المجهول الذي هبط فجأة.
في المساء جفاني جفناي وبت أتقلب مهموما حتى طرق الآذان مسامعي، وفي يومي المشحون بالروتين الممل، عاودني صاحب الكف وأخذ يحملق في كما بالأمس، فحاكيت حركاته كقرد، فنهرني وأخذ بمجامع قميصي وصاح :
أنت هو ، نعم أنت هو .
صحت بأعلى صوتي :
أنا لا أعرفك ، ولا أدري عما تتحدث .
فالتفت جهة اليمين وأومأ بأصبعه، فانغرز بجانبه نسختان لايختلفان عنه كثيرا، حتى سبابة أحدهم بدت مبتورة.
جرني بياقة قميصي، ونسختاه يتبعانه كظله، لم يطل جري حتى انحدر بي في زقاق مترب ضيق، فانفتح باب فيه.
ولجنا وأقعدت قسرا على كرسي مهترئ، وأُمطرت بوابل من الأسئلة:
أنت الذي كتبت مقالة كذا .
أنت الذي ألفت قصيدة كذا .
أنت ، أنت .
أقريت بكل مافعلت، وبدت هناك أفعال جانبيه لم أقم بها، لكن تحت الصفع المتتالي، لم أكترث بنفيها.
أطلقوا سراحي وفي اليوم التالي قعدت في مكتبي، ووضعت رأسي على طاولتي أتحسس برودتها، وسرى نعاس لطيف في عيني ، ورأيت ذو الأصبع المفقودة، وكأنه قائم يحط ورقة وقلما كي أكتب مقالتي، فانتبهت مذعورا، وهناك قبالتي، وعلى بعد خطوات مني، رأيت كفا  -- يجر الباب خلفه-- بأربع أصابع، وعلى طاولتي ورقة وقلم.