آخر تحديث :الخميس-03 أبريل 2025-12:11م

برلمان الواتس آب: سقوط الدولة في غرفة دردشة !

السبت - 29 مارس 2025 - الساعة 02:49 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


كيف يمكن لدولة أن تنهض، وهي تُدار عبر الهواتف الذكية ؟ وكيف لسلطة شرعية أن تصمد، إن كانت قراراتها تُحسم عبر مجموعات “واتس آب” ؟ هذه ليست مجرد تساؤلات نظرية، بل واقع مرير يعيشه اليمن، حيث صار مجلس النواب المنفي أشبه بـ”جروب دردشة” بلا قاعة، بلا جلسات، بلا تأثير حقيقي. منذ بداية الحرب في اليمن، غادر مجلس النواب البلاد، متحولًا إلى كيان افتراضي تابع لحكومة المنفى. لم يعد هناك قاعة جلسات تُطرح فيها القضايا المصيرية، ولم يعد للنواب منصة دستورية تمكّنهم من ممارسة دورهم التشريعي والرقابي. وبدلًا من مواجهة التحديات الوطنية، انشغل أعضاء البرلمان بالصراعات الداخلية حول الامتيازات والمستحقات المالية، التي تُناقش عبر تطبيقات المراسلة، لا عبر القنوات الدستورية. لقد أصبح المشهد البرلماني اليمني كاريكاتوريًا نائب يتم طرده من المجموعة لمجرد أنه أثار قضية للنقاش، وآخرون يرسلون التهاني بدلًا من استجواب الوزراء، فيما تظل القرارات الوطنية عالقة بين إشعارات “تمت إضافتك” و”تمت إزالتك”. يمنح الدستور اليمني البرلمان سلطات واسعة، بدءًا من التشريع، مرورًا بمراقبة أداء الحكومة، وصولًا إلى سحب الثقة عنها إن لزم الأمر. فالمادة (62) تمنح المجلس صلاحية سن القوانين، والمادة (66) تخوله استجواب الحكومة، والمادة (77) تمنحه الحق في حجب الثقة عنها. لكن الواقع أن هذه النصوص بقيت حبرًا على ورق، في ظل غياب مجلس فعلي قادر على ممارسة مهامه. اليمن يواجه انهيارًا اقتصاديًا، وتدهورًا في قيمة العملة، وتوسعًا في نفوذ ميليشيا الحوثي، بينما البرلمان غائب تمامًا. لا جلسات استجواب، لا مساءلة للحكومة، لا رقابة على أداء السلطة التنفيذية، وكأن البلاد تدار بلا مؤسسة تشريعية. فهل نحن أمام برلمان عاجز، أم أمام تواطؤ مريب ؟ واحدة من أكثر الحوادث التي كشفت هذا العبث البرلماني، كانت واقعة النائب شوقي القاضي، الذي أُزيل من “جروب واتس آب” الخاص بالبرلمان، بعد أن طرح قضية للنقاش. الحادثة ليست مجرد واقعة عابرة، بل تعكس عمق الأزمة. لقد تحولت السلطة التشريعية إلى مساحة افتراضية، يُدار فيها الخلاف بزر “إزالة”، لا عبر الحوار والتصويت. إذا كانت هذه هي آلية اتخاذ القرار لدى ممثلي الشعب، فكيف نتوقع منهم أن يكونوا قادرين على مواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بالبلاد ؟ كيف يمكن لبرلمان مُشتت في المنافي، أعضاؤه مشغولون بخلافاتهم الشخصية، أن يرسم مستقبل اليمن ؟ في أبريل المقبل، سيتم البرلمان اليمني عامه الـ22 منذ آخر انتخابات جرت عام 2003. طوال هذه الفترة، تغيرت كل الظروف المحيطة، لكن المجلس بقي في حالة تجمد، عاجزًا عن تجديد نفسه أو استعادة دوره. أعضاؤه الذين دخلوا البرلمان في مقتبل حياتهم السياسية، أصبحوا اليوم في سن التقاعد، بينما غادر البعض الآخر الحياة تمامًا. وبينما تتغير الخارطة السياسية في اليمن، يظل هذا البرلمان عالقًا في الماضي، بلا شرعية حقيقية، وبلا أي قدرة على التأثير. اليمن بحاجة إلى مؤسسة تشريعية حقيقية، لا إلى مجموعة دردشة. البرلمان، كمؤسسة، يجب أن يُعاد هيكلته بما يتناسب مع الواقع الجديد. فإما أن يتم انتخاب برلمان جديد يكون قادرًا على أداء دوره، أو أن يتم تفعيل بدائل أكثر فاعلية. الأوطان لا تُحكم برسائل “واتس آب”، والدول لا تُدار من المنافي. إن بقاء البرلمان اليمني في هذه الحالة ليس مجرد أزمة إدارية، بل هو مؤشر على انهيار الدولة نفسها. وإذا لم يتم معالجة هذا الوضع، فإن المستقبل لن يكون أكثر من استمرار لهذا العبث، بينما يدفع الشعب اليمني الثمن وحده.