في خطوة ليست بغريبة على ميليشيا الحوثي، أعاد المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، الإعلان عن استئناف الهجمات ضد السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن. جاء هذا الإعلان عقب فشل الوسطاء في إقناع إسرائيل بإعادة إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، حيث منح زعيم الميليشيا مهلة من أربعة أيام انتهت دون تحقيق أي نتائج. ولكن في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: هل تحركات الحوثيين فعلًا دعمٌ لفلسطين، أم أنها مجرد ورقة دعائية لا يدفع ثمنها سوى الشعب اليمني ؟ على مدار السنوات الماضية، دأب الحوثيون على توظيف القضية الفلسطينية في خطابهم السياسي والإعلامي، محاولين إظهار أنفسهم كجزء من “محور المقاومة” إلى جانب إيران وحزب الله. لكن على أرض الواقع، لم يكن لهذا الخطاب أي أثر فعلي في ميزان الصراع مع إسرائيل. فبينما يتبنى الحوثيون شعارات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”، إلا أن الموت والدمار الذي نشرته الجماعة لم يطل سوى اليمنيين، الذين يعانون من حرب مستمرة منذ أكثر من عقد بسبب انقلاب الحوثيين على الدولة اليمنية. لم تكد تمر ساعات على إعلان الحوثيين استئناف هجماتهم في البحر الأحمر، حتى استهدفت الطائرات الأمريكية مواقع عسكرية تابعة لهم في الحديدة، تحديدًا في منطقة الكثيب، حيث تم تدمير رادارات القاعدة البحرية التابعة للجماعة. هذه الضربات ليست إلا رسالة واضحة بأن أي تصعيد حوثي في البحر الأحمر لن يكون دون ثمن، خاصة بعد أن دفع الحوثيون فواتير باهظة خلال الجولة السابقة من الهجمات على الملاحة الدولية، والتي قوبلت بردٍّ عسكري حاسم من التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. والمثير في إعلان الحوثيين الأخير أنه كان أقل حدة من السابق، حيث أشار إلى استهداف السفن الإسرائيلية فقط، دون التهديد الصريح بمهاجمة جميع السفن المتجهة إلى إسرائيل. هذا التغيير في الخطاب قد يكون انعكاسًا للخسائر الكبيرة التي تكبدتها الجماعة جراء الضربات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، ما يجعلها أكثر حذرًا في مغامراتها الجديدة. ومع ذلك، أعلنت إسرائيل حالة التأهب تحسبًا لأي هجوم محتمل، مع تحديث قائمة أهدافها العسكرية والميدانية المرتبطة بالمجهود الحربي للحوثيين، وربما حتى قيادات الصف الأول داخل الجماعة. بينما تروج الميليشيا لنفسها كمدافعٍ عن فلسطين، يواصل الشعب اليمني دفع الثمن الأكبر لهذه المغامرات. فقد أدى استهداف الحوثيين لخطوط الملاحة الدولية إلى تبعات كارثية على الاقتصاد اليمني، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية، وتفاقمت الأزمة الإنسانية، في بلد يعاني أصلًا من واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم. إضافة إلى ذلك، فإن استمرار الحوثيين في افتعال الأزمات يؤكد أنهم ليسوا سوى ذراع إيراني في المنطقة، يستخدم لتنفيذ أجندات خارجية لا تمت لمصلحة اليمن بأي صلة. فهم لم يكونوا يومًا جزءًا من النسيج الوطني لليمن، بل كانوا دائمًا امتدادًا لمشروع كهنوتي سلالي يسعى إلى فرض نظام حكم قائم على التمييز والاستعباد. منذ انقلابهم المسلح، عملوا على طمس الهوية اليمنية واستبدالها بهوية دخيلة تتماشى مع المشروع الإيراني، مما جعل اليمن ساحة لحروب لا نهاية لها. رغم ادعاء الحوثيين بأن تحركاتهم في البحر الأحمر تأتي دعمًا لغزة، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك. فمنذ نكبة 1948، لم تمارس إسرائيل ضد الفلسطينيين ما مارسه الحوثيون ضد اليمنيين خلال العقد الأخير، من تطهير طائفي وقتل وتعذيب وتشريد، فضلًا عن تدمير البنية التحتية ونهب مقدرات الدولة. وبينما تواصل إسرائيل تنفيذ عمليات اغتيال تستهدف قادة المقاومة في فلسطين ولبنان، يكتفي الحوثيون بـ”ضبط النفس”، في دليل واضح على ضعفهم الحقيقي، واعتمادهم فقط على الشعارات والخطابات الجوفاء. فهدفهم الأساسي ليس محاربة إسرائيل، بل استغلال القضية الفلسطينية لتحشيد مقاتليهم والتغطية على جرائمهم في الداخل اليمني، واستمرار سيطرتهم على المناطق التي لم تسقط بعد. إن إعلان الحوثي عن استئناف هجماته حتى وإن كان شكليًا، يعيد تذكير العالم بأن اليمن ما زال دولة مختطفة، وأن هناك تهديدًا حقيقيًا لمصالح الدول المطلة على البحر الأحمر وللاقتصاد الدولي. فلا يمكن لأي استقرار في المنطقة أن يتحقق دون كبح جماح هذه الجماعة التي أثبتت مرارًا أنها لا تبحث عن السلام، بل عن استمرار الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية تخدم مشروعها الطائفي. لقد بات واضحًا أن الحوثيين ليسوا أكثر من “نمر من ورق”، يتاجر بالقضايا العربية لخدمة أجندات طهران، في حين يواصل تدمير اليمن وتشريد شعبه. أما فلسطين، فهي بالنسبة لهم مجرد وسيلة دعائية لا أكثر، لأن من يتاجر بمعاناة شعبه، لا يمكن أن يكون صادقًا في دعمه لشعب آخر.