تهامة، تلك الأرض الغنية بثرواتها الطبيعية والزراعية والبحرية، تعيش في ظلال التهميش والإهمال منذ عقود طويلة. رغم أنها تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا لليمن، إلا أن سكانها يعانون من الفقر المدقع والتجاهل المستمر، وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. هذه المعاناة ليست وليدة اليوم، بل هي امتداد لسياسات ممنهجة جعلت من تهامة منطقة منسية تعاني الحرمان في كل مناحي الحياة.
تمتد تهامة على طول الساحل التهامي غربي اليمن، وتتميز بخصوبة أراضيها التي تجعلها سلة غذاء للبلاد، إضافة إلى سواحلها الغنية بالثروة السمكية، والتي تمثل مصدر دخل رئيسي لكثير من سكانها. ورغم هذه الموارد الهائلة، يعاني أبناؤها من الفقر والتهميش، حيث يتم استغلالهم في أعمال شاقة بأجور زهيدة، بينما تنعم بقية المحافظات بخيراتهم دون أن يعود عليهم أي نفع حقيقي. تُعد تهامة أيضًا مركزًا اقتصاديًا مهمًا بحكم موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، مما يجعلها نقطة ربط تجاري حيوية. ومع ذلك، فإن التنمية تكاد تكون غائبة تمامًا عن المنطقة، إذ تفتقر إلى بنية تحتية مناسبة، وخدمات تعليمية وصحية تليق بإنسانية سكانها، ما يجعلها في مؤخرة الأولويات بالنسبة لصناع القرار. يواجه أبناء تهامة تمييزًا واضحًا في مختلف الجوانب، سواء في التوظيف أو فرص التعليم أو حتى في التمثيل السياسي والإداري. النظرة الدونية تجاههم جعلتهم يعانون من الاستبعاد في الوظائف الحكومية والمناصب العليا، وكأنهم مجرد عمالة رخيصة لا يحق لها أن تطمح إلى حياة أفضل. الأوضاع الصحية والتعليمية في تهامة متردية بشكل مأساوي، حيث تغيب المستشفيات المجهزة والمدارس المؤهلة، مما يضطر كثير من الأطفال إلى ترك التعليم مبكرًا للبحث عن لقمة العيش، بينما يعيش سكانها في ظروف معيشية صعبة تجعلهم أكثر عرضة للأمراض وسوء التغذية. التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي من الخارج فقط، بل يجب أن يبدأ من وعي أبناء تهامة بحقوقهم وتوحدهم ضد كل أشكال التمييز والاستغلال. لقد حان الوقت لأن يدير شباب وفتيات تهامة شؤون منطقتهم بأنفسهم، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، لأنهم وحدهم من عانى، وبيدهم يمكن أن تبدأ عملية التغيير والتحسين. إن النهوض بتهامة لا يعتمد فقط على قرارات الحكومة، بل أيضًا على الجهود المحلية والمبادرات الشبابية التي تركز على إنشاء مشاريع تنموية محلية، وتعزيز التعليم، ورفع الوعي المجتمعي، والمطالبة بالحقوق المشروعة بطرق سلمية ومدروسة. من خلال هذه الخطوات، يمكن لأبناء تهامة بناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا لأنفسهم وللأجيال القادمة. التغيير ليس مجرد مطلب، بل ضرورة إنسانية وأخلاقية تفرضها معاناة سكان تهامة لعقود طويلة. على الحكومة اليمنية والجهات المعنية أن تعي أهمية إنهاء هذا التهميش المتعمد، والعمل على تحقيق العدالة التنموية التي تضمن لسكان تهامة حقوقهم المشروعة. لا بد من تبني سياسات تنموية جادة تشمل بناء البنية التحتية، وتحسين مستوى الخدمات الصحية والتعليمية، وفتح فرص اقتصادية عادلة تضمن لأبناء تهامة حياة كريمة بعيدًا عن الاستغلال. كما أن تمكينهم سياسيًا وإداريًا ضرورة حتمية لكسر حلقات التمييز التي عانوا منها طويلًا. تهامة ليست مجرد أرض غنية بالثروات، بل هي موطن لملايين من اليمنيين الذين يستحقون حياة كريمة وحقوقًا مساوية لبقية أبناء وطنهم. استمرار التهميش لن يؤدي إلا إلى مزيد من المعاناة والاحتقان الاجتماعي، بينما يمثل الإنصاف والتنمية الطريق الوحيد نحو يمن أكثر عدالة واستقرارًا. فهل يستجيب صناع القرار لنداء التغيير أم تبقى تهامة حبيسة التهميش والنسيان ؟