في ظل الهدوء النسبي الذي شهدته الجبهات خلال الفترة الماضية، تعمل ميليشيات الحوثي على إعادة ترتيب صفوفها وحشد المقاتلين استعدادًا لجولة جديدة من الحرب. كل المؤشرات الميدانية تؤكد أن مأرب ستكون الهدف الأول لهذه التحركات، يليها ساحل تهامة، في محاولة لإعادة رسم خارطة السيطرة لصالح الجماعة المدعومة من إيران. خلال الأشهر الماضية، كثّف الحوثيون عمليات التحشيد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، مستغلين حالة الجمود السياسي والعسكري التي تمر بها الحكومة الشرعية. تجري تحركات الميليشيات بشكل واضح في مناطق التماس، مع تعزيز مواقعهم وإرسال تعزيزات إلى الجبهات المحيطة بمأرب، ما يشير إلى نوايا هجومية وشيكة. مأرب ليست مجرد مدينة؛ إنها رمز للصمود الجمهوري، وأهم معاقل الحكومة الشرعية، ومفتاح التوازن العسكري في اليمن. سقوطها يعني انتقال المعركة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث سيتفرغ الحوثي لتهديد بقية المناطق المحررة، وعلى رأسها ساحل تهامة. لا تقل أهمية ساحل تهامة غربي اليمن عن مأرب في الحسابات العسكرية للحوثي، فهو المنفذ البحري الأهم على البحر الأحمر، والسيطرة عليه تعني امتلاك ورقة ضغط استراتيجية ليس فقط على الداخل اليمني، بل على الإقليم بأكمله. تسعى الجماعة إلى تحقيق اختراق في هذه الجبهة مستفيدة من حالة الانقسام والتنافس بين القوى المناهضة لها، إضافة إلى إعادة تموضع القوات المشتركة هناك. وهنا يأتي السؤال الجوهري: هل الشرعية مستعدة للحفاظ على مأرب وساحل تهامة ؟ بل الأهم: هل هي جاهزة لاستعادة صنعاء ؟
الحقيقة الصادمة أن المتابع للمشهد يجد أن تحرير صنعاء لم يعد ضمن الأولويات الفعلية لقيادة الشرعية بمختلف مكوناتها. يبدو أن الهدف الأساسي لكثير من القوى المنخرطة في الحكومة هو البقاء في الوضع الحالي، حيث يضمن كل طرف نصيبه من النفوذ والمصالح. البعض يعتقد أن استعادة الدولة تعني خسارة امتيازاته التي بناها خلال سنوات الحرب، ما يجعله غير متحمس لفكرة الحسم العسكري. بات واضحًا أن كثيرًا من القيادات الشرعية لا تمتلك رؤية واضحة لمستقبل الصراع، وتتحرك وفق حسابات آنية ضيقة. كل طرف يرى نفسه رئيسًا، ويحرص على تعزيز نفوذه داخل المعسكر الشرعي، بدلًا من توحيد الجهود نحو الهدف الأساسي، وهو تحرير اليمن من قبضة الحوثي. المعضلة الكبرى أن هذه السلطة الوهمية تستمد وجودها من أجندات خارجية لا علاقة لها بمصلحة اليمنيين، ما يجعلها أسيرة للتوازنات السياسية الإقليمية والدولية. وفي ظل هذا الوضع، يبقى الحوثي الطرف الوحيد الذي يمتلك مشروعًا واضحًا، حتى وإن كان مشروعًا تدميريًا يخدم أجندة إيران في المنطقة. إذا أرادت الشرعية أن تحافظ على ما تبقى من اليمن، بل وتعمل على استعادته، فعليها إعادة ترتيب أولوياتها، والخروج من دائرة المصالح الضيقة إلى أفق وطني أوسع. يجب أن تعود صنعاء إلى الواجهة كهدف استراتيجي لا تراجع عنه، وأن تتجاوز القوى الشرعية خلافاتها وتوحد صفوفها عسكريًا وسياسيًا لمواجهة التحديات القادمة. إن لم يحدث ذلك، فإن الحوثي لن يكتفي بمأرب أو ساحل تهامي غربي اليمن، بل سيواصل تقدمه، وحينها سيكون الحديث عن استعادة الدولة مجرد وهم، بعدما تصبح الشرعية بلا أرض تديرها، ولا قضية تدافع عنها.