لا يمكن اعتبار تطلع الشعوب لحياة كريمة ومستقبل أفضل جريمة، بل هو حق أصيل تكفله القوانين والمواثيق الدولية، ويمليه الواقع السياسي والاقتصادي لكل أمة. فالتحركات الشعبية التي شهدها العالم العربي، ومنها اليمن، لم تكن ترفًا ولا تآمرًا، بل كانت نتيجة طبيعية لعقود من الفساد وسوء الإدارة وغياب العدالة الاجتماعية. لكن للأسف، جاءت النتائج عكس التطلعات، ليس لأن الشعوب أخطأت، بل لأن القوى المسيطرة على المشهد السياسي تعاملت مع هذه التطلعات إما بالقمع أو الاستغلال، مما أدى إلى كوارث إنسانية غير مسبوقة. عندما خرج اليمنيون في 2011 مطالبين بإسقاط الفساد وإقامة دولة عادلة، كانوا يحلمون بوطن يوفر لهم الأمن والاستقرار والحقوق الأساسية. لكن ما حدث لاحقًا كان أبعد ما يكون عن تلك التطلعات، فقد دخلت البلاد في مرحلة من الفوضى السياسية التي مهدت لانقلاب ميليشيا الحوثي في 2014، الذي لم يكن مجرد صراع سياسي، بل كان بداية لحرب كارثية أدخلت اليمن في أسوأ أزمة إنسانية عرفها العصر الحديث. سيطرة الحوثيين على صنعاء وما تبعها من حرب مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، لم تسفر إلا عن المزيد من الدمار والتشريد والجوع. فالبلد الذي كان يعاني من مشكلات تنموية واقتصادية قبل 2011، بات الآن على شفا مجاعة شاملة، في ظل انهيار شبه كامل لكل مؤسسات الدولة، وتحول حياة الملايين إلى كابوس يومي من الخوف والفقر والمرض. يأتي شهر رمضان هذا العام، كما في الأعوام السابقة، وسط ظروف مأساوية يعاني منها الشعب اليمني، حيث لا أمن ولا رواتب ولا كهرباء ولا صحة ولا تعليم، ولا حتى الحد الأدنى من الخدمات التي يفترض أن تقدمها أي دولة لمواطنيها. بينما تغرق المدن في الظلام، ويقف المواطن عاجزًا عن شراء الطعام لعائلته، تستمر القيادات الشرعية في العيش خارج البلاد، متنقلة بين عواصم العالم في حالة من الرفاهية والاستجمام، غير مكترثة بالمآسي التي يعاني منها المواطن العادي. في الوقت الذي يفرض الحوثيون سيطرتهم على جزء كبير من اليمن ويمارسون القمع والنهب، تقف الحكومة الشرعية عاجزة عن تقديم أي حلول حقيقية. والنتيجة أن اليمن بات دولة بلا دولة، حيث تغيب أي سلطة حقيقية قادرة على تحسين الوضع المعيشي أو فرض سيادة القانون. هذا العجز لم يكن نتيجة قلة الموارد فقط، بل هو انعكاس لانعدام الإرادة السياسية، والفساد المستشري داخل أروقة السلطة الشرعية التي انشغلت بالمناصب والمصالح الشخصية أكثر من انشغالها بمصير البلد. وسط هذه الفوضى، يبقى الشعب اليمني هو الضحية الوحيدة. الفقراء يزدادون فقرًا، والمرضى يموتون في المستشفيات التي تفتقر لأبسط الإمكانيات، والأطفال بلا تعليم، والنساء يعانين من أوضاع معيشية لا تطاق. في المقابل، تستمر القوى المتحاربة في صراعاتها على السلطة، دون أي اعتبار لمن يدفع الثمن الحقيقي لهذه الحرب الطويلة. في النهاية، لا يمكن إلقاء اللوم على الشعوب في ما وصلت إليه الأوضاع، لأن التغيير حق مشروع، والمطالبة بحياة كريمة ليست جريمة. لكن المشكلة كانت ولا تزال في غياب النخب الواعية القادرة على قيادة التغيير نحو مستقبل أفضل. فبدلًا من استغلال تطلعات الشعوب لبناء دول قوية، تحولت هذه التطلعات إلى فرصة لبعض القوى للسيطرة والاستبداد ونهب الموارد. إن الأزمة اليمنية لن تُحل بالمفاوضات الشكلية أو بالمساعدات الإنسانية المؤقتة، بل تحتاج إلى حلول جذرية تعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمواطنة، بعيدًا عن المصالح الضيقة للقوى المتصارعة. وحتى يحدث ذلك، سيظل اليمن يعيش في دوامة من المعاناة، وسيبقى الشعب هو الضحية الأولى والأخيرة.