آخر تحديث :الخميس-03 أبريل 2025-12:11م

اليمن بين الفساد والانقلاب: كيف أصبح الفساد العقبة الأكبر أمام استعادة الدولة؟

الثلاثاء - 25 فبراير 2025 - الساعة 01:20 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


منذ انقلاب ميليشيا الحوثي على الدولة اليمنية في عام 2014، غرق اليمن في دوامة من الصراع السياسي والعسكري، تحولت معه البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. لكن خلف المشهد العسكري والسياسي، يقف عامل أكثر خطورة، ربما يكون هو السبب الجذري لكل ما حدث: الفساد. الفساد لم يكن مجرد عرض جانبي للأزمة، بل هو المحرك الأساسي الذي سمح بسقوط الدولة، ومهّد الطريق للحوثيين للاستيلاء على مؤسساتها، وساهم في إطالة أمد الحرب، وتعطيل جهود استعادة الشرعية. واليوم، بينما تسعى القوى الوطنية لدحر الانقلاب، يبقى الفساد العقبة الأكبر أمام تحقيق النصر الحقيقي. لم ينجح الحوثيون في السيطرة على اليمن لأنهم يمتلكون قوة عسكرية خارقة، بل لأن الدولة كانت منهكة وضعيفة من الداخل، بسبب سنوات طويلة من الفساد الذي استنزف مؤسساتها وأضعف جيشها وأجهزتها الأمنية. لا يمكن فصل ما حدث في اليمن من انهيار الدولة وصعود المتمردين الحوثيين عن الفساد المستشري في مختلف مفاصل السلطة. فمنذ عقود وحتى يومنا هذا، كان الفساد الإداري والاقتصادي والسياسي هو الأرضية الخصبة التي مهدت لانهيار المؤسسات، وإضعاف الجيش، وسهولة اختراق الدولة من قبل الجماعات المسلحة.

لم يكن نجاح الحوثيين في إسقاط الدولة مجرد نتيجة لقوة عسكرية أو دعم خارجي فقط، بل كان إلى حد كبير انعكاسًا لضعف الدولة الناتج عن الفساد. الأموال العامة التي تم نهبها، والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، كانت كافية لتجهيز جيش قوي قادر على حماية اليمن من الانقلاب، لكن بدلاً من ذلك، ذهبت تلك الأموال إلى جيوب المسؤولين الفاسدين، ووجد الجيش نفسه بلا إمكانيات حقيقية لصد التمرد. وفق تقارير اقتصادية، فإن ما تم نهبه من أموال الدولة على مدار العقود الماضية يقدر بعشرات المليارات من الدولارات، في حين أن الجيش اليمني كان يحتاج إلى مليار دولار فقط لاستعادة زمام المبادرة عسكريًا. هذه الفجوة المالية ليست مجرد أرقام، بل تعكس واقعًا مأساويًا أتاح للحوثيين فرصة ذهبية لاستغلال ضعف الدولة والاستيلاء عليها. الفساد لا يقتصر على نهب المال العام، بل يمتد ليشمل سوء الإدارة، وبيع الولاءات، وخلق شبكات مصالح تمنع أي تقدم حقيقي نحو إنهاء الحرب. فبدلاً من توجيه الدعم الدولي والمساعدات الإنسانية إلى تحسين أوضاع الشعب وتمكين الدولة، نجد أن جزءًا كبيرًا منها يتبدد في دهاليز الفساد، حيث يتم استغلالها لصالح شخصيات نافذة. لم يقتصر الأمر على نهب أموال الدولة، بل امتد ليشمل أموال المانحين والقروض الدولية، مما جعل اليمن في حالة دائمة من الحاجة والاعتماد على المساعدات. وبذلك، أصبح الفساد بمثابة الأوكسجين الذي يُبقي الانقلاب على قيد الحياة، حيث يُستخدم المال المنهوب في شراء الولاءات، وإضعاف المؤسسات، وإطالة أمد الصراع. كما أن الفساد جعل الدولة عاجزة عن سداد ديونها أو الاستفادة من القروض الدولية، حيث تم نهب حتى تلك الأموال المخصصة للإعمار والتنمية، مما جعل اليمن أسيرًا للأزمات الاقتصادية، وبالتالي، فإن أي حل سياسي أو عسكري يظل ناقصًا ما لم يتم اجتثاث الفساد. قد يرى البعض أن الأولوية الآن يجب أن تكون لمواجهة الحوثيين عسكريًا، وتأجيل ملف الفساد لما بعد استعادة الدولة، لكن الحقيقة أن محاربة الفساد يجب أن تكون جزءًا من المعركة نفسها. فالفاسدون الذين نهبوا الدولة، هم أنفسهم من ساهموا في وصول اليمن إلى هذه المرحلة، وهم الذين يعرقلون أي جهود جادة لإنهاء الحرب. لذلك، فإن أول خطوة نحو تحقيق النصر، حتى لو وصلت القوات الشرعية إلى أطراف صنعاء، هي محاسبة الفاسدين، ومصادرة أموالهم، وإقالتهم من مواقع السلطة، بل وتقديمهم للمحاكمة. فبقاء الفساد يعني استمرار الأزمة، وتأجيل المواجهة معه لن يؤدي إلا إلى إطالة عمر الانقلاب. الفساد ليس مجرد مشكلة ثانوية في اليمن، بل هو الجذر الأساسي لكل الأزمات. لا يمكن استعادة الدولة وتحقيق الاستقرار طالما أن الفاسدين لا يزالون يسيطرون على القرار السياسي والاقتصادي. لذا، فإن المعركة الحقيقية لا يجب أن تكون فقط ضد الحوثيين، بل أيضًا ضد الفساد، لأن بقاءه يعني أن اليمن سيظل عالقًا في دوامة الحرب والفوضى لعقود قادمة.