لم تعد “الشرعية” في اليمن سوى اسمٍ بلا فعل، وسلطة بلا حضور. تحوّلت قياداتها إلى نزلاء دائمين في الفنادق الفاخرة، متنقلين بين عواصم العالم، بينما يواجه الشعب وحده أهوال الحرب، والجوع، والتشريد. هذا الوضع الكارثي لم يعد مجرّد أزمة سياسية، بل أصبح نموذجًا فجًا لفشل القيادة وانفصالها عن واقع الوطن ومعاناة مواطنيه. منذ اندلاع الحرب، تلاشت الشرعية من أرض اليمن، واتخذت من المنافي مقرًا لها. ورغم أن التحديات الأمنية قد تفرض في بعض الأحيان تواجد القادة خارج البلاد، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن هذا “النفي الاختياري” لم يعد مؤقتًا، بل أصبح أسلوب حياة للقيادات التي فضّلت الراحة على مواجهة الواقع، والتنقل بين الفنادق بدلًا من التواجد بين أبناء الوطن. في المقابل، يقف المواطن اليمني في مواجهة ميليشيا الحوثي وكذلك الجحيم اليومي؛ بلا حكومة ترعاه، ولا دولة تحميه، بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والإنسانية. باتت المساعدات الإغاثية موردًا أساسيًا للحياة في بلدٍ يملك من الموارد والثروات ما كان يمكنه أن يكون مزدهرًا لو أُحسن استغلالها. إذا كانت الشرعية تعني الحكم باسم الشعب ولأجله، فأي شرعية تلك التي لا يعرف الشعب عنها إلا اسمها ؟ وأي حكومة تلك التي تُدار عبر الاجتماعات الافتراضية والبيانات الصحفية ؟ لا يمكن لمن ابتعد عن هموم المواطنين أن يدّعي تمثيلهم، ولا لمن ترفل قيادته في نعيم العواصم أن يدّعي فهم معاناة من فقدوا منازلهم وأبناءهم ومستقبلهم. إن الشرعية الحقيقية تُكتسب بالوجود الفعلي على الأرض، بإدارة الدولة وحماية مصالح المواطنين، وليس بإصدار بيانات من عواصم بعيدة. وإن كانت هذه القيادات عاجزة عن تحمل مسؤولياتها، فالأجدر بها أن ترحل وتفسح المجال لمن يستطيع قيادة اليمن نحو مستقبل يستحقه أبناؤه. لم يعد الوضع يحتمل المزيد من التهاون. اليمن بحاجة إلى قيادة تتقدم الصفوف، تتواجد على الأرض، وتتحمل مسؤولياتها التاريخية. فإما أن تعود هذه القيادات إلى أرض الوطن وتثبت وجودها فعليًا، وإما أن ترحل عن المشهد السياسي تمامًا وتترك اليمن لمن هو قادر على البناء والإنقاذ. إن استمرار الوضع الحالي ليس إلا تكريسًا للمعاناة وإطالة لأمد الصراع، ووصمة عار لن تُمحى من تاريخ من اختاروا المنفى على حساب الوطن. وبإختصار الشرعية اليمنية بين المنافي وعواصم العالم سلطة بلا فعل وشعب بلا أمل.