آخر تحديث :الخميس-03 أبريل 2025-12:11م

اليمن بين وهم الحل السياسي وتقييد الحسم العسكري

الثلاثاء - 11 فبراير 2025 - الساعة 01:03 م
عبدالجبار سلمان

بقلم: عبدالجبار سلمان
- ارشيف الكاتب


في المشهد اليمني، تتردد عبارة “الحل العسكري وصل إلى طريق مسدود” على ألسنة بعض الشخصيات المحسوبة على الشرعية، وكأنها حقيقة لا جدال فيها. لكن عند تفكيك هذا الطرح، نجد أنه لا يعكس الواقع، بقدر ما يخدم مشروع تسوية سياسية غير عادلة تكرس الحوثيين كسلطة أمر واقع. فالحقيقة هي أن الحل العسكري لم يصل إلى طريق مسدود، وإنما تم حرف مساره، ولم يُمنح الفرصة الكاملة لتحقيق أهدافه. لم يكن الحل العسكري خيارًا عبثيًا، بل كان ضرورة فرضها تمرد الحوثيين على الدولة واستيلاؤهم على صنعاء بقوة السلاح. وخلال السنوات الأولى، حققت العمليات العسكرية إنجازات ملموسة، حيث تم تحرير مساحات شاسعة من الأراضي اليمنية، وكُسرت شوكة الحوثيين في أكثر من جبهة. لكن مع مرور الوقت، ونتيجة عوامل داخلية وخارجية، تعرض المسار العسكري للعرقلة بفعل ضغوط دولية، وحسابات سياسية، وانقسامات داخل معسكر الشرعية نفسها. وعندما يُقال إن “الحل العسكري وصل إلى طريق مسدود”، يُفهم من ذلك أن كل الوسائل العسكرية قد استُنفدت، وأن استمرار القتال لن يؤدي إلى أي نتيجة. لكن هذا غير صحيح. ما حدث ليس فشلًا عسكريًا بقدر ما هو انحراف للمسار العسكري عن هدفه الحقيقي بسبب عدة عوامل، أهمها التدخلات السياسية والضغوط الدولية التي فرضت قيودًا على العمليات العسكرية، ومنعت تحقيق حسم سريع. والانقسامات داخل معسكر الشرعية، والتي أدت إلى تفكك الجهود العسكرية وغياب قيادة موحدة. وغياب الإرادة الحقيقية للحسم لدى بعض القوى الفاعلة، التي فضلت التفاوض حتى مع إدراكها أن الحوثيين لا يسعون للسلام. على العكس من الادعاء بأن العمل العسكري قد استنفد خياراته، فإن الحل السياسي هو الذي أثبت فشله مرارًا وتكرارًا. فكل جولة تفاوضية، من جنيف إلى الكويت، ومن ستوكهولم إلى مسقط، أظهرت بوضوح أن الحوثيين يتعاملون مع المفاوضات كوسيلة لالتقاط الأنفاس، وليس للوصول إلى تسوية حقيقية. فهم يستغلون أي هدنة لترتيب صفوفهم عسكريًا، وإعادة تموضع قواتهم، والاستعداد لجولة جديدة من الحرب. ولا يمكن اعتبار مسار التفاوض ناجحًا إذا كان ينتهي دومًا بإعطاء الحوثيين مزيدًا من التنازلات، دون أي التزام منهم بتقديم تنازلات مقابلة. بل إن بعض الأطراف الدولية، بدافع الرغبة في إنهاء الصراع بأي ثمن، باتت تضغط باتجاه تسوية تمنح الحوثيين شرعية الحكم، متجاهلة حقيقة أنهم جماعة انقلابية ذات مشروع عقائدي لا يؤمن بفكرة الشراكة السياسية أصلاً. نعم، الحل السياسي هو الذي وصل إلى طريق مسدود، وليس الحل العسكري. والسبب بسيط الحوثيون لا يؤمنون بفكرة التفاوض كشراكة، بل يستخدمونه كأداة لكسب الوقت وتعزيز قوتهم. كل جولة تفاوضية منذ 2015 حتى اليوم تثبت هذه الحقيقة ففي مفاوضات الكويت (2016)، رفض الحوثيون التوقيع على اتفاق رغم تقديم تنازلات كبيرة لهم. وفي اتفاق ستوكهولم (2018)، استغلوا الهدنة لإعادة ترتيب صفوفهم، ولم ينفذوا أي التزامات، مثل انسحابهم من الحديدة. وفي كل المفاوضات اللاحقة، كانت النتيجة واحدة الحوثيون يتحدثون عن السلام لكنهم يواصلون الحرب.

إن من يروجون لفكرة أن “الحل العسكري وصل إلى طريق مسدود” ليسوا مدفوعين بالحرص على إنهاء الحرب بقدر ما تحركهم حسابات سياسية ضيقة، أو رغبة في فرض تسوية تُبقي الحوثي “حاكماً بأمر الله” في اليمن. هؤلاء إما أنهم يجهلون طبيعة الحوثيين، وإما أنهم يعلمون حقيقتهم لكنهم مستعدون للتعايش مع حكمهم، ولو على حساب مستقبل اليمن. هناك عدة أسباب تدفع بعض الأطراف، بما في ذلك شخصيات محسوبة على الشرعية، إلى الترويج لفكرة أن الحل العسكري غير ممكن للرغبة في تسوية سياسية بأي ثمن، حتى لو كانت على حساب اليمنيين، خشية استمرار الحرب. وكذلك الضغط الدولي لإنهاء الحرب بسرعة، بغض النظر عن طبيعة الحل أو تداعياته. بالاضافة إلى بعض القوى داخل الشرعية ترى أن بقاء الحوثي كطرف قوي يخدم مصالحها، لأنها تخشى من فقدان نفوذها إذا انتهت الحرب بنصر عسكري واضح. وفي المحصلة، فإن إنهاء الحرب لا يكون بمجرد إعلان فشل الحل العسكري، بل بإعادة تصحيح مساره، وتوحيد الصفوف خلف مشروع استعادة الدولة، ورفع الوصاية عن القرار العسكري، بحيث يتمكن من تحقيق هدفه النهائي: يمن خالٍ من الميليشيات، قائم على أسس الدولة المدنية، لا على سلطة السلاح والعقيدة الطائفية. الحل العسكري في اليمن لم يفشل، لكنه لم يُعطَ الفرصة الكاملة للنجاح. أما الحل السياسي، فقد أثبت أنه مجرد وهم في ظل تعنت الحوثيين. الترويج لفكرة أن الحرب يجب أن تتوقف بأي ثمن، دون وجود ضمانات حقيقية لسلام عادل، يعني ببساطة تسليم اليمن للحوثيين على طبق من ذهب.