الأستاذ محمد سالم باسندوة رئيس الوزراء الأسبق، ذاكرة وطنية لا تشيخ

 


أهداني أخي وأستاذي المناضل الوطني الكبير محمد سالم باسندوه نسخة من كتابه "البداية ؛ النضال من أجل الاستقلال" وهو يمثل سيرة حياته الحافلة بالنضال والمشقات في سنوات نهوض الحركة الوطنية المقاومة للإحتلال البريطاني لعدن والجنوب. وقد أدهشتني  ذاكرته القوية، التي مازالت تحتوي على أدق التفاصيل للأحداث التي مر عليها أكثر من ستين عاما. فهو يذكر أسماء الشخصيات  العدنية التي عاصرته  وإسماء الضباط الأنجليز والمندوبين الساميين  ووزراء الخارجية والمستعمرات واعضاء في مجلس العموم البريطاني عن حزب العمال وغيرهم الذين كانت له معهم لقاءات أو مفاوضات أو حتى تحديات. كما يذكر بالتفصيل مادار في تلك اللقاءات سواءا مع الرئيس جمال عبدالناصر الذي التقي به ثلاث مرات، أو تلك التي دارت في أروقة الأمم المتحدة وغيرها.وأدهشتني أكثر الطريقة التي رتب بها تسلسل الأحداث منذ نعومة أظفاره حتى الاستقلال في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧ 
نحن أمام شخصية وطنية كبيرة لديه سجل مشرف جدا،، ويحق لنا أن نفخر به. فالأعمال التي قام بها في فترة تمتد من بداية الستينيات حتى الاستقلال كانت كبيرة وتدل على شخصية ديناميكية متحركة لا تعرف الملل أو السكون. 
من الصعب المرور على كل الاحدث والتفاصيل الكثيرة التي تحتويها سيرة الرجل العظيم وبسالته وشجاعته. 
فقد أصدر صحيفة النور في نهاية ١٩٥٩ ولم تكمل عام من صدورها حتى أوقفها الوالي البريطاني بحجة انها تحرض ضد سلطات الاحتلال، ثم مالبث أن أصدر صحيفة الحقيقة ١٩٦١. وأوقفت لنفس السبب، ذلك ان الشاب الذي انهى دراسته الثانوية للتو أدرك أهمية الصحافة في خلق وعي وطني جديد مناهض للإحتلال. 
تم انتدابه من قبل حزب الشعب الذي كان رئيسه وزير الخارجية الأسبق عبدالله الأصنج ، ومن القاهرة ذهب الأمم المتحدة ثلاث مرات ثم تواصل بنشاط غير عادي مع دول مثل الاردن والعراق والسودان والمملكة العربية السعودية والكويت ويوغوسلافيا وطلب زيارتها، وتلقى ردودا سريعة بالموافقة،، حيث قابل وزراء الخارجية ومسؤولين آخرين لشرح قضية بلاده وأهمية مساندة نضال الجنوب من أجل الاستقلال ،، كل ذلك خلال فترة وجيزة لاتتعدى العام  
قابل الرئيس جمال عبدالناصر للمرة الأولى الذي وافق على فتح مكتب للحزب في القاهرة وأربعين منحة دراسية رشح لها اربعون طالبا من مختلف مناطق الجنوب وكان من ضمن من تم ارسالهم الأستاذ علي سالم البيض وحيدر ابوبكر العطاس. 
في إحدى لجان الأمم المتحدة المنبثقة عن لجنة تصفية الاستعمار تحدى باسندوه مندوب المملكة المتحدة ان يوافق على ارسال بعثة تقصي الحقائق، رغم الضغوطات التي مورست عليه لان يشطب هذه الفقرة من كلمته، بما فيها طلب من الامين العام للأمم المتحدة ، ولكنه اصر ان يقولها. وكان الأمر يتعلق بالانتهاكات التي يرتكبها جنود الاحتلال ضد ابناء الشعب.

ظل الاستاذ باسندوة يقوم بعمل سياسي ودبلوماسي كبير، وحمل قضية شعبه الى اروقة الأمم المتحدة، والى مجلس العموم البريطاني مفاوض ومتابعا لقرارات الامم المتحدة حول تصفية الاستعمار وموافقة بريطانيا عليها، ثم الهروب منها ،الى المؤتمر الدستوري حيث تبين ان الانجليز يؤسسوا لدولة صورية تابعة وانسحب من مؤتمر لندن الدستوري مع زملائه،، ليقرروا لاحقا  الكفاح المسلح ضد الاحتلال البريطاني. 
نزح مع غيره من قيادات حزبه الى تعز ومن هناك بدأ يدخل الاسلحة الى عدن سرا وتعرض لمواقف صعبة جدا ولكنه في كل مرة ينجح في ايصال السلاح الى رفاقه الفدائيين. طيلة عامي ٦٦، ٦٧ كان ينقل الاسلحة بسيارته الخاصة، انها البطولة والشجاعة والاقدام لرجل ترك كل شيء خلفه وحمل رسالة الوطن بين جوانحه. 
أعتقل من قبل سلطة الاحتلال  من بيته في ليلة اراد ان يرى عائلته ورحل الى سجن  راس مربط بملابس النوم ورحل الى جبوتي ثم الى السودان بملابس النوم ،، وقبلها كان لايستطيع دخول عدن نظرا لتصريحاته ونشاطه الخارجي .. 
انه تاريخ ناصع البياض وسجل تاريخي نادر من حيث حجم المسؤوليات التي أنجزها في العمل السياسي والعسكري المقاوم
تطرق الى علاقته الطيبة بكل من الاستاذ عبدالله باذيب، والأستاذ علي باذيب رحمهما الله والاستاذ محمد علي الجفري والرئيس قحطان الشعبي وفيصل عبداللطيف الشعبي وسيف الضالعي، وسالم زين وآخرين كثر وكانت علاقته بهم جميعا علاقة نضال طيبة ولم يفتري على أحد أو يهاجم أحد. كما التقي بالرئيس سالمين وعبدالفتاح اسماعيل سعيا لحل الخلافات بين النقابات الست التي كانت تخضع للجبهة القومية والمؤتمر العمالي الذي كان يتبع حزب الشعب. 
تحية لأستاذنا العلم الوطني المتواضع وصاحب السيرة الحسنة والسلوك القويم المناضل الوطني الكبير الاستاذ محمد سالم باسندوه ،

د. عبدالله عوبل