عملية الأيادي النظيفة

لقد كتبت ذات مرة أن مكافحة الفساد بطريقة (ماني بوليتي) وتعني بالإيطالية " الأيادي النظيفة " هي طريقة فريدة من نوعها على مستوى العالم ويجب الاستفادة من هذه التجربة، التي أدت في النهاية إلى إنشاء ايطاليا متطورة ومستقرة، شبه خالية من الفساد مع حراس وطن جدد نزيهين من ساسة وكفاءات ونخبة ورجال أمن.

كانت عملية الأيادي النظيفة، التي نُفذت في إيطاليا في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، أشهر حملة لمكافحة الفساد في العالم، وهي عملية قضائية وشرطية غير مسبوقة، سميت بــ "الأيادي النظيفة"، وفيها تم التحقيق مع ما يقرب من 20000 مشتبه بهم من ساسة ونخب ومسئولين في الحكومة وموظفين في الخدمة المدنية والأمن ورؤساء شركات الكبرى.

اود التذكير فقط مرة اخرى ان غالبية الأنظمة السياسية في العالم معرضة للفساد السياسي التي له أشكال متنوعة، لكن أكثرها شيوعاً ممارسة النفوذ والمحسوبية والرشوة والابتزاز ومحاباة الأقارب والاحتيال، ويمكن التخفيف من هذه الظواهر المدمرة تدريجياً عبر خطوات حكومية وأولها إنشاء وحدة خاصة لمكافحة الفساد وإظهار فعالية عمل هذه الوحدة اعلامياً.

من المستحيل هزيمة جيش من المسؤولين الفاسدين مرة واحدة في اليمن، لأن الفساد الذي في البلاد أسطوري، ولكي لا تدخل في معركة ضد هذه الجبهة الضخمة من الناس لأسباب عملية على الوحدة الخاصة في البداية التركيز على المجالات والحالات الفردية.

اتضح بعد عملية الأيادي النظيفة في إيطاليا أنه من أجل حملة فعالة في الواقع لا يتطلب الأمر سوى القليل من العزيمة والصبر ووجود معارضة سياسية وصحافة مستقلة وعدد قليل من القانونيين الشرفاء في القضاء وسلطات إنفاذ القانون، فضلاً عن القدرة على التوضيح للجمهور لماذا "الوضع الحالي" الذي نشأ في البلاد لا يناسبه ولا يتناسب مع مصالح المجتمع.

أصبح نجاح عملية الأيادي النظيفة غير المسبوقة على الأقل في مرحلتها الأولية ممكنًا بفضل مجموعة من العوامل المتعددة، أهمها وجود وسائل إعلام مستقلة في البلاد أبلغت المواطنين على الفور بكل تقلبات التحقيقات وكانت الصحف والإذاعة والتلفزيون هي التي أقنعت الإيطاليين أن الصراع الذي دار أمام أعينهم أثر بشكل مباشر على الجميع، كان على المواطنين أن يدركوا أن الصراع ليس بين المافيا والدولة، ولكن بين المافيا والشعب.

انا لا اقول ان الفساد اختفى من ايطاليا تماما بل لا يزال قائما، لكن المواقف تجاهه تغيرت بشكل كبير، اهمها ان الايطاليين اليوم يعتبرون الفساد جريمة، وقبل ذلك كانوا يتعاملون معه باعتباره معيارًا للحياة.