لماذا لاتفكرون؟!

لاأدري كيف عاد بي الزمن حينها إلى الوراء وأنا استمع لبعض الكلمات البائسة التي ألقيت تعليقا على أزمة باليمن في معرض خطاب بعض زعماء الدول في الدورة ال77 للجمعية العمومية للأمم المتحدة كي أستحضر على إثرها عبارة مشهورة للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، لقد بدا مؤسفا حقا أن أفضل ماتمكنوا من قوله هناك هو تطلعهم للتوصل إلى عقد هدنة موسعة باليمن .

ولقد كان المخجل حقا مشاهدة حصاد ماخرجت به تلك الجلسات لدى حديثها عن بلد لازال يشهد أزمة إنسانية هي الأسؤ في العالم، ولم يزل شعبها يتجرع مرارة حرب دامت لأكثر من سبع سنوات، لاسيما حين بدا وكأنه حصادا للعفن الأممي المزعج عقب موسم سياسي متخم ببيانات القلق والإدانة وفاقد للإنجازات الملموسة على أرض الواقع .
كيف، لا ! وقد تكلل ذلك بخطابات الجمعية العمومية المتوقفة عجزا عند تأكيد عبارات التضامن المتكررة مع إضافتها هذه المرة لعبارة مواساة جديدة تحدثت عن رؤية بصيص أمل في ثنايا مشهد اليوم .  

"لماذا لا تفكرون بمكان متوسط مريح؟" بهذه العبارة، فتح معمر القذافي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2009، ملفا أعتبره البعض من (المحرمات)، حيث صرخ متسائلا: "هل هذا بيت المقدس؟ هل هذا الفاتيكان؟ هل هذه مكة؟" مطالبا بتغيير مقر الأمم المتحدة بشكل صريح أمام أنظار المندوب الأمريكي .

وعلى الرغم من أن فكرة القذافي لازالت مطروحة حتى الأن وهي فكرة مرتبطة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق الدول في التمثيل المتساوي، إلا أنها تبدو حتى اللحظة غير متاحة لكي تجد طريقها نحو الواقع، خاصة في ظل الهيمنة الاميركية المستمرة على قرار المنظمة الأممية، وتماهي بقية أعضائها الدائميين مع رغبة الأمريكان بإستمرار بقاء مقرها في مدينة نيويورك الأميركية .

تخبرنا عبارة القذافي حقيقة الخضوع التام لمعظم دول العام أمام هيلمان القطب الواحد، وواقع العجز المستغرب عن مجرد التفكير فقط في إثارة نقاش مشروع حول فكرة نقل مقر أممي تتشارك تلك الدول عضويته .

وغير بعيد عن ذلك، سيخبرنا مشهد الصراع باليمن كذلك عن حقيقة إسهام الأمم المتحدة في إطالة أمد النزاع باليمن، وعن واقع إستحالة توصل أطراف الداخل لإتفاق سياسي قد يفضي إلى إنهاء الحرب بينها دون الحاجة الى مساعدة عكازي التدخل الخارجي، والوساطة الأممية .

يمكنني توجيه ذلك السؤال لأطراف الداخل المتصارعة : "لماذا لاتفكرون بتوافق داخلي ومباشر"؟
هل أصبحت اليمن مجبرة في البقاء طويلا تحت سلطة البند السابع؟ هل يستحيل أن تتعايش نخبها، وتتفق مكوناتها السياسية بعيدا عن حبل الوصاية والاملاءات الخارجية؟

تلك الأسئلة فعلا ستثير غضب التاريخ، بل ويمكن لإجاباتها الصريحة دون شك أن توجه لنا تلك الصفعة المؤلمة وخصوصا إذا ما أسندت قولا بواقع التجارب السياسية التي لم تتوقف يوما عن التأكيد على مسلمة صعوبة تحرك دول العضوية بالأمم المتحدة خارج الإرادة الأميركية ولو من باب التغيير لمقر نشاط دولي دون نيلها رضا البيت الأبيض أولا، وبالمثل تأتي مسلمة إستحالة حدوث أي تقارب يمني - يمني خارج الإرادة الإقليمية والدولية ولو من نافذة التعبير عن قدرة إتخاذ الداخل قرارا ذاتيا واحدا دون الحصول على موافقة المتحكم الخارجي قبل ذلك .

اليوم، وحتى أثناء الحديث عن وقف وشيك للحرب باليمن لم تزل فكرة جلوس الأطراف المحلية بصورة مباشرة تبدو أمر صعبا للغاية حين تعيقها عديد التعقيدات المتشكلة على خلفية واقع الحرب وأثارها، كما وتجسد لنا حقيقة إرتهان القرار السياسي لتلك الأطراف صورة واقع الصراع باليمن والمتمثل بهيمنة أجندات الخارج على جميع سكنات الداخل وسيطرتها التامة على دفة مسارات إدارة الصراع باليمن؛ وهو بالفعل يعد ذلك الواقع الذي بات يجعل معه مجرد محاولة تفكير الداخل بعقد حوار مباشر مع خصمه السياسي بعيدا عن طاولة الخارج تبدو فكرة مذنبة بحد ذاتها، وتنتمي حقا لذات (صنف المحرمات) الذي جعل يومها من فكرة القذافي جرما لايغتفر .

محمد الثريا