ورحل إرشيف اليمن.

 

فيصل الشبيبي

خسارة كبيرة أخرى يُمنى بها الوطن المكلوم، برحيل إرشيف اليمن وذاكرتها القاضي / علي أحمد أبو الرجال رئيس المركز الوطني للوثائق الذي غادر دنيانا اليوم بعد عقودٍ طويلةٍ حافلةٍ بالعطاء والعمل المُكلل بالنجاح في خدمة الوطن.

كان رجلاً استثنائياً في كل شيء - أخلاقه - علمه - تواضعه - وطنيته - إخلاصه - نزاهته - رحمه الله واسكنه فسيح جناته.

بعد أن تولى القاضي / علي أحمد أبو الرجال عدداً من المناصب العليا في الدولة عقب ثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة، من بينها محافظ الحديدة، ومحافظ صنعاء، تم تكليفه من الرئيس علي عبدالله صالح بتأسيس المركز الوطني للوثائق عام 1991 وترؤسه، فكان خير من أُوكلت إليه المهمة، على اعتبار أن ذلك العمل يجري منه مجرى الدم في الشرايين، نظير خبرته التراكمية، حيث عمل بلا كلل أو ملل على إعادة أرشفة الوثائق اليمنية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية، والحدودية - البرية والبحرية - وغيرها، وظل في هذا الموقع حتى آخر سنوات عمره.

كان يحظى القاضي / أبو الرجال باحترام وتقدير كبيرين من جميع قيادات الدولة ومثقفيها وفي مقدمتهم الرئيس الشهيد علي عبدالله صالح الذي منحه درجة نائب رئيس وزراء نظير ما قدمه من خدمات جليلة لشعبه ووطنه في مجال الأرشيف وحفظ الوثائق الهامة للدولة والتي كان لها أهمية كبرى في حل الخلافات الحدودية مع الأشقاء في سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية وكذلك مع دولة إريتريا بخصوص النزاع حول أرخبيل حُنيش الذي امتد من عام 1995 حتى استعادتها بحكم دولي عام 1998.

هكذا خلّد القاضي علي أبو الرجال اسمه وتاريخه الناصع وترك بصمات واضحة وعلامات مُشرقة على الصعيدين الإداري والوثائقي، وسجل نشاطات ثقافية وتاريخية وأدبية ساهمت في حفظ الهوية اليمنية والتعريف بها من خلال مشاركاته الخارجية وتوقيعه عدداً من الاتفاقيات الثنائية في مجال الوثائق.

لم يكن القاضي علي أبو الرجال من الكفاءات التوثيقية النادرة في اليمن فحسب، بل على المستوى العربي والدولي حيث كانت له صولات وجولات في هذا المجال الهام، وتم انتخابه نائباً لرئيس الفرع العربي للمجلس الدولي للأرشيف في تسعينات القرن الماضي، وينظر إليه الآخرون باحترام وتقدير، حيث تم تكريمه بأعلى الأوسمة داخلياً وخارجياً من بينها وسام الفنون والآداب برتبة فارس من وزارة الثقافة الفرنسية، ووسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى وغيرها من الأوسمة نظير اهتمامه بمجال التوثيق وتعزيز العلاقات بين اليمن والعديد من البلدان العربية والأجنبية.

الحديث، عن شخصية بحجم القاضي / علي أحمد أبو الرجال، ليس له نهاية، فلن تفيه المقالات والكتب نظير ما قدمه من خدمات جليلة، لكن عزاءنا فيه أنه سيظل رمزاً من رموز الوطن الأوفياء المخلصين الصادقين الذين تركوا مآثر خالدة وبصمات لن تُمحى، تغمده الله بواسع رحمته وعظيم مغفرته وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان. 
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.