الدفعة الأولى علوم سياسية والفرحة الباهته!

اليوم وعلى غرار استمرار عملية الامتحانات النهائية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، كالعادة في كل يوم بعد أن نفرغ من الامتحان، نخرج إلى إحدى مقاعد الاستراحة بمعية الزملاء نتبادل الحديث عن الامتحان وكيف كانت إجابة كل منا عن السؤال الفلاني، وكيف أن محاضر المساق كان حازما باختيار الأسئلة أو كان متعاونا، فيحتدم النقاش وتعلوا الأصوات بين الرفاق المشاكسون، الذين وجدوا في أنفسهم الرغبة في خوض غمار التجربة الجامعية بدراسة العلوم السياسية ..

اليوم وبينما نحن جالسون، أنا وبعض الزملاء، أتى مجموعة من زملائنا (الدفعة الأولى علوم سياسية) و ألقوا علينا السلام، شخص عليّ أحدهم بعينيه مبتسما، قمت وأخذت بيديه وسلمت عليه، وباركت له ولرفاقه مرة أخرى إكمالهم دراستهم الجامعية، وكم أننا فخورين بهم هذا الإنجاز. وبينما نتحدث أخبرني أنهم أتوا لاستكمال إجراءات تتعلق بنيابة شؤون الطلاب في الكلية هو ورفاقه، وأنه لم يتبقى أمامهم سوى مناقشة بحوثاتهم الأسبوع القادم..

وبدافع شعور صادق، سألته عن موعد حفل تخرجهم، وما الذي يتطلعون إليه بعد هذه الخطوة الفارقة من مشوار حلم عُمر دراسي، كان لتخصص العلوم السياسية نصيب المرحلة الجامعية منه، أخبرني بأن تجهيزهم لحفل التخرج شبه مكتمل، فقط يتبقى تحديد الموعد بالتوافق مع بقية الزملاء، وتابع حديثة بإطلاق قهقة باهته بقوله "ومن ثم نتحصل على الوظيفة"! لم يكن مني سوى أن أخبرته أنهم يستحقون الاهتمام الصادق من الجهات المعنية كأول دفعة تتخرج من جامعة عدن - قسم العلوم السياسية، ناهيك عن مستواهم الجيد الذي يؤهلهم للإنخراط بدورات تأهيلية في هذا المجال تمكنهم من التوظيف في مجالات التخصص وقطاعاته المختلفة، ولأنه على عجلة من أمره استأذن مني وذهب في سبيل إنهاء معاملته..

كم من المؤلم أن تتصنع الفرحة في يوم تخرجك بينما يتراءى لك التهميش أمام عينيك، محبط جدا أن تختتم مشوراك الجامعي بفرحة باهته، تتعمد بها لإدخال السرور على أهلك ومن حولك، زملاء ورفاق حياة، تخبرهم بأنك لست نادما وأن عليهم أن يفرحوا، مؤلم مؤلم جدًا..!!

ما يقارب الثمانون ويزيد، خريجي الدفعة الأولى علوم سياسية، لا أعرف العدد بالدقة، لكن تخيلوا لو أن هذا العدد من طلبة العلوم السياسية أُحسن احتواءه واستثماره، باعتباره رافدا جديدا وموردا بشريا - معرفيا هامًا بإمكانه أن يسد فجوة ويصحح خطأ سياسي متوارث تجذر في البلاد وتسبب لنا بأزمة سياسية ألقت بظلالها على كافة قطاعات الدولة مخلفة بعدا واضحا بين الواقع الكائن وما ينبغي أن يكون ..!

إن إعداد جيشا سياسيا مسلحا بالمعرفة يمكنه أن يسيّر أمور دولة بالكامل، وينشر الوعي، لا يقل أهمية عن إعداد جيشا عسكريا يمكن للدولة الاعتماد عليه، بل في الأحرى أن المعرفة قد تتجاوز أهميتها أية أولوية أخرى، حتى أنك لو سألت بذلك شهيدا ماجدا دفع روحه ثمنا لترسيخ دعائم الدولة لأخبرك بنفسه أن الأولية تكمن في عسكرة العقول وتجنيد الوعي حينها يمكن للدولة أن تستقيم دونما إزهاق قطرة دم واحدة ..!

رسالة للقيادة السياسية الجنوبية، لا تفرطوا بمورد سياسي شاب يحتاج القليل فقط من الاهتمام، يمكن من خلاله سد ثغور الجبهة السياسية ورفد الوعي الجنوبي، احتووهم، ادفعوا بهم إلى ما يمكنه أن يجعل منهم متمرسين في هذا المجال، حفزوا الآخرين من بعدهم إلى الإلتحاق بركبهم، وأن يدعوا عنهم اليأس والتسويف وأن أمامهم واجب وطني جسيم ينتظرهم، ابعثوا فيهم الرغبة وأحيوها من جديد، حتى لا يصابوا بمقتل من الخذلان فيسهل استقطابهم من أطراف عدة لا تريد لنا ولبلادنا خيرًا ولا صلاحا..!