ليس اعتذارا ولكنه الحب


في البداية، لا بد وأن لكل قروي جاء من أرياف اليمن، ذكرى خالدة مع أغاني أيوب، وعني أنا بالذات، فلا أبالغ إن قلت أنني وُلِدت بين أغاني أيوب، إذا كان أبي طروبا وصاحب ذوق عال في الغناء، وكان يكتنز آلاف الأشرطة وعدة مسجلات، لكن أشرطة أيوب كانت الأقدس عنده لدرجة أنه يحفظها في شنطة لوحدها بحيث لا تختلط مع غيرها، وهو الذي لديه كل كاسيتات الزمن القديم من أبو نصار إلى أبو بكر، ومن تلك الأيام حفظنا أغاني أيوب وتعرفنا على أيوب وارتبطت ذاكرة طفولتنا الغنائية بأيوب وطنيا وعاطفيا. 
هذه المرافعة ليست لأني أخطأت في حق أيوب أو أني انتقصت منه، فهو في الأول والأخير، من قبلي ومن بعدي، سيظل فنان الضمير اليمني وصوت الفلاحين والعشاق في عموم البلاد، هذه المرافعة هنا في مواجهة من زعموا أنني انتقصت من أيوب حين أشرت إليه في لحظة انسياق عاطفي وانيحاز وجداني مع أغاني بكر، وهو الثاني لا يقل أهمية عن أيوب.
في الحقيقة، تخضع مسألة الذوق الفني للمزاج وللحالة الشعورية لدى كل إنسان، ولما تعنيه الأغنية لتلك اللحظة التي تنصهر فيها مع كيانه وروحه ووجدانه، وأنا من النوع إذا أحب أغنية  سمعها باستمرار مئات المرات حتى أملها وأتركها للأبد، وكذلك مع الفنانين، حين يروقني أحدهم أسمع كل أغانية تقريبا ثم تمر سنوات لا أعود إليه، باستنثناء أبو بكر سالم، فهو فناني المفضل الذي كلما استمعت إلى أغانيه، اندهشت كأنني أسمعها للمرة الأولى، أما أغاني أيوب فهي واجب وطني وجزء من وجودنا ووجداننا القومي. 
أما بالنسبة للدكتور المقالح والأستاذ البردوني، فهما كبيران حتى على انحيازاتنا الصغيرة، وحين أفاضل بينها فلا يعني أبدا أنني أنتقص من أحدها، ولكني وبكل محبة وصدق أجدني ميالا إلى أسلوب المقالح وهذا الميل لا ينتقص من مكانة الشاعر الكبير عبدالله البردوني بأي شكل الأشكال، فلا زالت ميول الناس بين أبو تمام والمتنبي قائمة حتى قيام الساعة، وهي لا تعني بحال أي معنى للانتقاص منهما، بل هي ميول تعود جذورها لطبيعة الاختلاف الانساني بين البشر، 
ولا أدري بأي حق يحاكم الإنسان على ذائقته، لكني وبكل أسف، كتبت بطريقة غير دقيقة ولا صائبة تقريبا، وهو خطأ وقعت فيه ببراءة وتلقائية في لحظة يترصدك فيها الآخرون ويبحثون لك عن خطأ للانتقام أو للشماتة أو للسخرية أو للحسد أو للفرغة أيضا، وهي تحدث معنا جميعا إلا أننا نحاول أن نكون أقل سعارا مما يبدو في كثير من حملات اليمنيين ضد بعضهم، وهي مشكلة لها علاقة بالحالة النفسية التي كرستها الحرب بيننا، حتى أشعلت آلاف الحروب بين الكلمات، بين الأغاني، بين المناطق، بين اللهجات، وأوصلتنا لحالة هيجان الثيران الأسبانية، لدرجة أن كل واحد إن لم يجد سلاحا استل قلمه وغرسه في عين أخيه. 
وأنا لا أحب المهاترات ولا أكترث لها، وأعلم أن جل ردود الفعل التي تبعت منشوري كانت مواقف وليس ردودا تلقائية، لكني أعتقد أنني وصلت لحالة من التسامح لا أحقد فيها حتى على أعدائي، ولا ألتفت للسفاهة أو السخرية أو الشتائم أو الانتقام أو غيره، إذ أن من الطبيعي جدا أن يعبر كل شخص عن محتواه، أن يعكس كل واحد تربية أهله، وأنا لا أستطيع أن أنزل إلى القاع لأرد على كل شتيمة أو أحاجج كل منتقم وحاسد.
في الأخير كل هؤلاء أبناء بلدي وأنا أحبهم جميعا، محبة أعلى من كل سقوط وفوق كل اختلاف وأكبر من كل حرب  
أعتذر للكبار كلهم أيوب وأبو بكر 
البردوني والمقالح  
ولكل الذين ردوا علي بحسن نية، أما سواهم فحتى لو أنقل لهم آيات من كتاب الله فسوف يشتمون كعادتهم أو يشككون في نوايانا. 
ولعله من الجيد في هذا الزمن المسعور، أن يحتفظ الإنسان لنفسه بما يحب حتى الكتب التي يقرأها وتسحره لا يفترض أن ينصح بها أحدا ، لكني وللمرة الأخيرة سوف أخبركم أنني أحب الشتاء بشغف وأكره أيام الصيف. 
المهم حقا، طابت أوقاتكم