هل إقصاء أبين من السلطة يعد عقابا لها على مواقفها من الوحدة؟

من يقرأ تاريخ المحافظات الجنوبية ، يجد أنها عاشت في ظل سلطنات متنافرة عمل على تغذيتها الاستعمار البريطاني ، وحينما تحرر الجنوب من الاستعمار البريطاني وصهر السلطنات في الكيان الجنوبي الجديد ، ظلت التوازنات المناطقية هي التي تحكم تطور هذا الكيان الجديد وتدير مشكلاته ، ومما لاشك فيه أن الديمغرافية لعبت دورا مهما في الاجتماع السياسي بين التوازنات المناطقية وتمحورت الحياة السياسية على هذا التوازن المناطقي في اقتسام السلطة .

يحاول اليوم المجلس الانتقالي الاتكاء على هذا البعد المناطقي في إدارة مشروعه الانفصالي ، ليس في استبعاد الشمال فحسب ، بل في إقصاء مناطق جنوبية وازنة في العملية السياسية ومحاولة الارتكاز على مشروع الدولة الوهمية المسماة بالجنوب العربي متجاوزا مسميات لها حضور أكثر من ٢٠٠٠ سنة ، كحضرموت مثلا ، ومتجاوزا في الوقت نفسه أبين ذات الثقل التاريخي والسياسي .

يحاول دعاة الانفصال لوم الآخرين ويتهمونهم في إشعال الحروب ، ويغفلون تعدد الأجسام والأسباب الداخلية التي تكون منها المجتمع في المحافظات الجنوبية المبني في الأساس على التنافس بين المناطق الغارقة في خصومتها القائمة على إخضاع أبنائها حسب الوضع السائد لحركة دائمة قوامها التوتر وإعادة التوازن ، وعلى الرغم من سيئات الوحدة التي أراد الانتقالي تدليلا لمناطقيته ، إلا أنها كانت المخرج الوحيد من حالة الحرب ، فقد شددت على العيش المشترك بين مختلف المناطق اليمنية وأنهت ثأر اقتتال الرفاق عام ١٩٨٦م .

يحاول اليوم قادة المجلس الانتقالي الدفع بمحافظة أبين خارج إطار اقتسام السلطة ، يساعدهم على ذلك تفكير خارجي ، حتى لو جعلهم ذلك يقبلون بتركيز جميع السلطات في محافظة تعز ، ليس حبا بهذه المحافظة وإنما إنتقاما من أبين وجعل الصراع المناطقي مفتوحا ، فأبين هي التي رجحت كفة الوحدة في حرب الانفصال وهي التي رفعت علم الوحدة بعد انقلاب الانتقالي في ٢٠١٨ ، وهي قبل هذا وذاك كانت قطبا وازنا في أحداث يناير عام ٨٦ .

ما أود الإشارة إليه ، أنه لابد على المجلس الرئاسي من البحث عن مخارج سياسية ، إذا كان غير راغب في الانزلاق مجددا إلى حرب أهلية تعيق مشروع السلام ، فعليه أن يشرك أبين في السلطة بعيدا عن الموقف من هادي وما خلفه خلال فترة حكمه ، فبدون أبين سيتعذر إنتاج تسوية حقيقية ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر تشكل أبين رافعة حقيقية للجمهورية التي يريد الحوثي إسقاطها ويشاركه الانتقالي في تفكيكها ، فليس من المنطقي مكافأة الوحدويين بجعل رقابهم تحت رحمة الانفصاليين ، وليس من العدل أن يكون الانفصاليون جزءا من الشرعية التي لا يعترفون بها ويكون الوحدويون خارج الشرعية التي يؤمنون بها .

نحن بحاجة إلى إدارة الحوار حول المشاريع والقضايا المختلفة بلغة السياسة وليس بلغة القوة المسلحة وطريقها المعبد بالضحايا والدماء وحروب الشوارع وفرض الزعامات المناطقية بقوة المليشيات وصوت الرصاص ، لا نحتاج مجددا إلى صراع المناطق ، وهذا يعني أن المجلس الرئاسي يدرك أهمية استيعاب أبين في تشكيل الحكومة القادمة للوصول إلى الاستقرار وبناء الدولة اليمنية القائمة على رغبة الشعب اليمني وليس على رغبة المليشيات المسلحة .