ليفعلها "البحسني" وليؤسس لثقافة (الاستقالة)

على مدى تاريخ اليمن شمالا وجنوبا وفي نظام الوحدة، لم نسمع بأن مسؤلا حكوميا قدم استقالته طواعية من منصبه، على الرغم مما يحمله مثل ذلك أي الاستقالة من صفة راقية في العمل السياسي والاداري، الا انه لم يحدث ذلك ولا لمرة واحدة، وكانت ولاتزال الاقالة هي المخرج الوحيد لترك المناصب، بالرغم من الفشل والأزمات والمشاكل الكثيرة، التي ظلت تعصف بهذا البلد حتى وصل حال أهله الى ماهو عليه اليوم، والسبب الرئيس والأهم في ذلك يعود الى غياب ثقافة الاستقالة عند المسؤولين من أعلى اطار الى الأدنى في هيكل الدولة السياسي والاداري.

ان جملة الأزمات والمشاكل التي لا تعد ولا تحصى، التي تعاني منها اليمن وحضرموت على وجه التحديد وعلى مختلف الأصعدة، كانت كفيلة بأن تجعل كل مسؤلي البلد يقدمون استقالاتهم من مناصبهم، لو كانوا يملكون ذرة من ضمير، أو جعلوا مبدأ (ماذا قدمنا للوطن والمواطن)، ميزانا ومعيارا لبقائهم في مناصبهم او مغادرتها، لأنهم من خلال ذلك سيعرفون حجم الضرر الذي ألحقوه بالوطن، وحجم المعاناة التي عاد بها وجودهم في مواقع المسؤولية.

تتجه الأنظار دائما الى حضرموت، ويظل الحديث حولها وعن أوضاع المواطنين فيها، وماذا قدم مسؤلوها للناس ولماذا أخفقوا، والسبب في ذلك معروف، وهو لأنها المحافظة الوحيدة التي ظلت بعيدة عن نيران الحرب المباشرة، كما انها الى جانب ثرواتها فلديها مميزات كثيرة، تنعدم عند غيرها من المحافظات والمناطق، يكفي انها المحافظة المستقرة أمنيا، وفيها شعب يتحلى بوعي حضاري يساعد أي مسؤول على النجاح، عوضا عن امتلاكها لعدة منافذ بحرية وجوية وبرية، وهي همزة الوصل بين اليمن والعالم، الا ان مسؤليها لم يستفيدوا من كل هذه الميزات والامكانيات، لكي يجعلوا منها انموذجا للتنمية الاقتصادية والتنموية والادارية، وبناء قاعدة متينة للانطلاق لمستقبل واعد، من خلال توفير الخدمات الأساسية بمستواها العالي، وتوفير العيش الكريم لجميع السكان، وتعزيز النسيج الاجتماعي وتوطيد قواسم العيش المشترك، وجعلها مصدر شعاع أمل لباقي مناطق البلاد، للانطلاق نحو آفاق رحبة من السلام والمحبة وصون حقوق الانسان.

لا ننكر على سيادة اللواء فرج سالمين البحسني، محافظ حضرموت قائد المنطقة العسكرية الثانية، دوره الكبير في تثبيت دعائم الأمن، واشرافه على تشكيل قوات عسكرية نظامية تُحترم، الا انه أخفق في باقي الجوانب من مسؤلياته، فوجود الأمن أو بناء الجيوش وحده لايكفي لايجاد حياة عصرية للناس، هناك ماهو مقرون ومرافق لوجود الأمن والاستقرار، وفي المقدمة النهوض بالأوضاع الاقتصادية والمعيشية، والبنية التحتية والادارة السليمة للمؤسسات العامة، ومكافحة الفساد والدفاع عن حقوق الانسان والحريات العامة والفردية.

نقدر للواء البحسني جهوده ومحاولاته من أجل فعل شئ، فالنوايا الحسنة وحدها لا تكفي لادارة شؤن الناس، هذه هي قدراته وامكاناته التي لم يبخل بها واستنفذها كلها، الا ان كل ذلك لم يقدم ما كان يجب أن تكون عليه حضرموت وسكانها، بالنظر لكل المميزات والامكانيات الهائلة التي تتمتع بها هذه المحافظة، الى جانب الصلاحيات المطلقة التي منحت له لادارة حضرموت، الا انه ظل يدور في حلقة لم يستطع الخروج منها، ومع دورانه هو كانت الحلقة تضيق على سكان حضرموت حتى باتت تخنقهم.

انني هنا، أقدم للواء فرج البحسني نصيحة صادقة وعن حب، بأن يختلي بنفسه في جلسة مكاشفة ومصارحة، على قاعدة وميزان (ماذا قدمت لحضرموت وأهلها)، وأن يستعرض عمله وماقام به منذ تعيينه حتى اليوم، وأن يسأل نفسه الأسئلة التالية: لماذا وصلت حضرموت في عهده الى حالة من الانقسام والتنافر بين مناطقها في الوادي والساحل، وهي حالة لم تصلها حتى في عهد السلطنتين؟! ولماذا لم يستطع منذ تعيينه حل مشاكل مهمة وحيوية في حياة الشعب مثل الكهرباء رغم كل الامكانيات الهائلة؟! ولماذا تعيش حضرموت في عهده في ارباك اداري، وحالة تدوير المسؤولين كالنفايات على الادارات؟! ولماذا بلغ الصدام بين قيادة السلطة المحلية ورأس القضاء في المحافظة مابلغه؟! وسؤال أهم، لماذا انقسم المواطنين حوله، وان الغالبية يترجون رحيله من منصبيه، لحد أن يتم اعتراض موكبه في عدة مناطق مثل حي السلام بالمكلا وميفع؟! ان الاجابة على تلك الأسئلة وغيرها الكثير، أعتقد انها ستوصله الى قناعة، بأن يقدم استقالته من المنصبين، وأن يفسح المجال لمن سيأتي ونأمل أن يكون بقدرات أفضل.

ان تقديم اللواء فرج البحسني استقالته من منصبيه، لن يؤسس لثقافة (الاستقالة) فحسب -وهي ثقافة راقية-، انما أيضا هو تقدير منه لوضعه الصحي ولسنه، الى جانب حرصه على الحفاظ على ماتبقى من نسيج اجتماعي بين مناطق حضرموت، كما انه سيقابل بكثير من الاحترام حتى من قبل الذين اختلف معهم واختلفوا معه، وسيحفر أسمه في جدار التاريخ، وسيخلده ماقدمه لحضرموت، خاصة في مجالات تثبيت الأمن وتأسيس قوة مسلحة حضرمية.
قلت ماتقدم عن محبة وصدق واخلاص، آملا أن تلقى كلماتي تلك آذان صاغية وعقل وقلب مفتوحين، من القائد الذي أكن له كثير من الاحترام.