السعودية بين الخطاب الإيراني ومراجعاتها في اليمن !

إن تهاوي قوات الحوثيين سريعا في مناطق شبوة الثلاث بيحان وعسيلان وعين وصولً إلى مديرية حريب في جنوب مأرب الشمالية اليوم هو مؤشر أن القوة العسكرية التي طالما استندت عليها هذه الجماعة لفرض مشروعها السياسي في طريقها الى  النهاية ، يمتلك الحوثيون إرث طائفي سلالي وظفوه بقوة في هذه الحرب ، ساعدت الجمهورية الشكلية في الشمال حينها على بقاء محافظة صعدة تحت النفوذ والسيطرة الإمامية بعمقها المرتبط بإيران ، لا يمكن ابعاد السعودية عن كل هذه التداعيات المدمرة سواء لها اولليمن ، استطاع الرئيس اليمني الراحل استثمار كل المخاوف الإقليمية والدولية من الجماعات الإرهابية لتوسيع سيطرته والقضاء على معارضيه ، التقارير الاستخباراتية الدولية اكدت صلة الرئيس اليمني الراحل بهذه الجماعات وحقق من ذلك امتلاكه قوة عسكرية مدربة وسلاح نوعي كان يخطط له بعناية ليعتلي وريثة احمد صالح على مقاليد الحكم من بعده ، حتى حروب صالح الستة مع الحوثيين كانت السعودية الخاسر الأكبر.
تعقيدات المشهد في اليمن تكمن ان الشمال يدار عبر قوة سياسية مخيفة متقلبة الولاءات وتنسج مواقفها واصطفافها وفق والمكاسب النفعية التي تتحصل عليها ، خارطة الثروة في الجنوب تمثل الخارطة التي أهين على خطوطها الشعب الجنوبي منذ الوحدة عام 1990م الى يومنا هذا ونراها ماثلة واقعا في الهبة الحضرمية الثانية في حضرموت ، اضعفت القوة السياسية الشمالية التحالف العربي ، كل القوى القبلية النافذة شمالا عززت من التمدد الحوثي ، هذه  القوى السياسية وجهت طاقتها في ضرب اللحمة الإماراتية السعودية ، التعافي الاقتصادي والاستقرار المعيشي ومواكبة التطور العلمي يعكس أن هناك عقول صحية تدير هذه البلدان إلا اليمن الذي ابتلى بحاكم وقوى سياسية وكيانات عملت بمجموعها في تدمير الوطن وابناءه واربكت الجوار.
يجمع الكثير بضرورة القضاء على الحوثية وان لا تتسيد او تسيطر على القرار السياسي او ان تحكم البلاد ، بداء القادة الحوثيين يتكلمون اليوم صراحة عن دول محور المقاومة القادمون لتحرير اليمن في معركة الاصطفاف الوجودي بين فسطاطي أمريكا وإسرائيل وحلفاءهم وايران وروسيا والصين وحلفاءهم وهذا الأمر فيه كثير من الخطورة تحمله هذه العقليات المدمرة التي وضعت اليمن في محور الشر الإيراني التوسعي المربك للمنطقة بلا طائل لأي نوع من المنافع الإيجابية التي ستعود على الوطن والشعب .
التحالف العربي لم يكن مخطئا عندما تدخل عسكريا في اليمن ، أن يتحول اليمن الى قاعدة إيرانية بمنصات صاروخية وتشكيلات عسكرية واستخباراتية طائفية معناه  تدمير اليمن وهويته والمنطقة وستجلب المآسي والويلات المخيفة والمؤلمة ، هذا المشروع سيتعثر واقعا لإنه مرفوض شعبيا وسيتم مقاومته ، اعتمد الحوثيون  بدرجة رئيسية في توسعهم على التصفيات المروعة للمعارضين السياسيين والعسكريين والقبليين وسكان المناطق الرافضين لهم ، وفرضوا واقع اجتثاث مخيف يرسم لون واحد لا يخرج عن طاعة مرشد إيران الاعلى .
الإشكالية المعقدة ليست في نهاية الحوثية ومشروعها العسكري السياسي الطائفي  لكنها في وضع قواعد تؤسس لحل سياسي مستدام ما بعد الحوثية ، عندما نتحدث عن المسافة بين نهاية الحوثية والحل المستدام هذا معناه أن الحرب يجب ان تنتهي في حدها الأدنى بإضعاف وتقييد الحوثيين ، وهذا يتطلب واقعا إعادة صياغة السعودية لتحالفاتها مع اليمنيين وخروجها المربعات القديمة نحو صياغة وصناعة تحالفات سياسية وعسكرية مع شخصيات وطنية جديدة تؤمن حقيقة بشكل اليمن القادم ، في الجنوب إمتثل الجنوبيين للمشروع العربي بمعناه الكبير وهو الدفاع عن الهوية من الخطر الإيراني ، مناطق الشمال تتحرك اليوم في مجرة إيران كدولة وعقيدة واستراتيجية وهذا يتطلب جهد أكبر وسياسة فيها كثير من الدهاء والواقعية والقوة  على هذه المناطق.
لم يعد الواقع يحتمل تموضعات عسكرية جديدة  او نزيف كبير من الدم على جوانب يمكن تفاديها او مناطق تسقط  في قبضة الحوثيين مجددا بعد أن حررها الجنوبيين ثانية ، من غير المنطقي أيضا النهب المنظم لثروات الشعب النفطية والغازية من قبل شخصيات عبثت سابقا وهي جزء من هذه الحرب ، عادت الإمارات مجددا الى اليمن وتدفع ثمن إنقاذها آخر معقل للشرعية وللتحالف وهي مارب ،  تسليم مناطق تمثل العمق الأمني للسعودية مثل محافظة الجوف ونهم معناه ان على السعودية إعادة ترتيب داخلها مع القوات متعددة الولاءات في الشرعية اليمنية ، لا يمكن التعويل على انتصارات العمالقة الجنوبية  لينتهي الخطر الإيراني من على اليمن وكذا المنطقة مالم تبادر السعودية سريعا في إدارة ملفها في الشمال وفق استراتيجية اصيلة تعتمد على إزاحة النفوذ المعيق  لتحريك جبهات تحرير مدن الشمال ، وإحياء القوى السياسية  الوطنية المناهضة للقوى السياسية العقيمة القديمة المحملة بإرث ثقيل من الفشل والتصفيات والإربكات المتأصلة داخل الشرعية اليمنية .