١٣ يناير .. كشفت عورات الجنوب !

عاش شعب الجنوب بعد الاستقلال  مباشرة في دولة المؤسسات حتى وان كان هناك نقد للبعض، فمثلا كانت بعض المؤسسات الخدمية التي هي من الوظائف الاساسية للدولة وما تقدمه لشعبها، فكانت خدمة الصحة والتعليم والأمن ، ناهيك عن المدن التي كانت متقدمه وعلى رأسها عدن من المدن العربية السّباقة الى المراكز العلياء في التعليم ، وفي الأرياف ايضاً لم تتوقف ماتقدمه الدولة من خدمات حيث  كان المواطن ينعم بتلك الخدمات ، وكان  هناك اطباء محليين ومدرسون اكفاء ، وهذا لباس محلي كان يسدد الفجوات ويرمم ما لم يستطيع الشعب انجازه ايام الاحتلال، وبعد التأميم كانت البدايات لكشف العورات الاولى للجنوب؛ وهي بدايات المداهمة  للناس في بيوتها  وماكان  يسمى زوار التصحيح لمسار الثورة ، هنا هجر  البلد  الكثير  من الكفاءات  التعليمية ورجال الاعمال والعسكر وغيرهم، ورغم محاولات برامج التصحيح وغيرها لتغطية العورات التي بدأت تظهر في مفاصل المؤسسات، الا  أن  الكادر  التعليمي والصحي  لم  يكن  بتلك  الكفاءة  رغم  جودة  المنهج  في  المواد  العلمية
فانتكس  التعليم ...
واستمر هذا الاستنزاف للدولة التي كان يحلم بها الشعب، من تصفيات خارج القانون حتى اخرجت لنا انقلابات اشد قساوة وهي التي خدشت جمال الجنوب كدولة مؤسسات.
وفي اوائل الثمانينيات كان اهتمام ملحوظ كي يستر ما انكشف من العورات في التعليم  ، والمؤسسة  التعليمية، ودورها  في  تقدم  البلدان ، لكن كان النظام يسخر الوظيفة للاعضاء في النظام (لانه مشغول بذاته) ولايهتم با الكوادر  المؤهلة   لانه لايريد  المزيد  كي  لا تحصل  مشكلة في المستقبل ؛ لأن  من يصل  إلى مرحلة متقدمة من  العلم  يريد  وظيفة علياء ، وهي ما تخافه من سحب البساط من تحتها، والكوادر  النظامية التي  لديه كافية لكنها لاتملك القدرات التي تمكنها من الوصول الى الحلول الناجعة، والنظام لايريد الحلول بينما كان يهتم بتأمين نفسه، لكنه لم يستطيع  التوصل الى سد تلك العورات التي تكبر كل يوم !
وهؤلاء وخاصة ممن  درسوا  في  الخارج بتخصصات مختلفة لم يجدوا  وظائف لأنه لا يوجد تخطيط ولا  برامج  تنمية، من قبل سلطة (مسار التصحيح) فمثلا اذا تخصص في مجال معين لم يوظف في تخصصه، وكما كان هذا مسار التصحيح من قبل، كان مسار من حكم بعده في الجنوب، فحين كان العفو العام "١٣ يناير" للضباط وغيرهم، لم يتمكن اغلبهم من العودة للعمل الذي كان عليه، وهم على مستوى الكادر المؤهل، بل كانت الوظيفة البديلة لهم عمل اداري او مدني ليس له علاقة بنفس عمله الاول، وكانت عقليات من هم  في  الحكم ويديروا الدولة ،لا تقارن بالمؤهلين..
على اغلب مراحل الجنوب.وهنا يأتي الوهن للجنوب كدولة، وتضعف بل وتتهشش مفاصلها، ولاتستطيع الثبات والصمود امام الخطر الخارجي او الداخلي الذي ينخر فيها.
لكن ليست الصورة مظلمة في الجنوب بل كانت امور إيجابية متوفرة، وكما عرفنا دولة الجنوب ، كان التعليم متوفر والجامعات والثانويات العامة والتعليم الاساسي، والصحي ، ووجود الأقسام الداخلية والأكل كان مجانا والسكن والمواصلات ، وكذلك العلاج متوفر وبالمجان ، ضف إلى ذلك الوضع الأمني الذي عاشه الجنوب.
نعم ان الجنوب مر بفترات متفاوته ومنها امور إيجابية يجب ذكرها من باب نقل الحقيقة؛ لان المؤسسات لازالت تعمل على الرغم من الخلل الذي وقع فيها حتى بلوغ (١٣يناير) التي عرّت الجنوب كمؤسسات، وانهت الكادر المتبقي للدولة في اجهزتها المدنية والعسكرية والأمنية، واصبح الجنوب من ذلك اليوم المشؤوم؛ قد فقد الكثير ان لم نقل الاغلب من قوته، واصبح هزيل تتلاعب به الامواج القوية التي اغرقته، وسط المحيط يواجه قدره وغاب عنه (الدب الروسي) التي كانت السلطة ترتكي عليه ، فقد تركها خاوية على عروشها، دون مؤسسات قوية وكادر مؤهل يحافظ عليها، وكانت القيادات للاسف تعيش الصراع ولا تعلم اين الشعب والوطن، وكما كان الانقسام بين اليسار في الجنوب ذهب الكل الى الشمال "الامبريالي" الذي يعيش مرحلة لاتحسد من تفكك السلطة فيه (لاوجود للمؤسسات) وكان في استقبال (اليسار).
وكانت الصفوة الحاكمة التي لاتستطيع ان تعرف انه لايوجد حب وحماس مع السياسة، حتى "الدب" تركها وهي تتمزق امامه، بل كان الدم الجنوبي بالنسبة" للدب "هو العسل الشهي المفضل إليه، ولم يكن يعيرهم الاهتمام.
وبينما دولة الجنوب في وسط المحيط، وهي تعاني الغرق [لا حول لها ولا قوة..] وبينما هي كذلك فقد همّ بها الكثير لما تملكه من مقدرات مختلفة؛ لكن لم يجد الكادر الذي يحافظ عليها، وهي تهوي الى السقوط ولاتملك من امرها شيء، لكنها لم تستطيع الخروج من هذا المستنقع؛فقد فقدت كل مابقي من ستر العورة، والى اليوم وهي تتلاطم مع امواج كبيرة ووحوش كثر... 
فكيف هو المخرج ؟
نعم ، لا يتم  ذلك  الا  عندما يتخلص الحكام من  الأنانية  والأهواء   والتبعية ويكون  لديهم  طموح  ورؤى  سياسية ترتكز  على  ايديولوجية  موحدة ...
ان المصالح  الضيقة طغت على  المصلحة  العامة، ولا توجد  خطط  استراتيجية  لتحقيق  ذلك  الهدف ؛  منذ قيام الدولة في الجنوب وانحسار   الاستعمار ، لم توجد الخطة  الاستراتيجية التي يجمعون  عليها وتظل ثابتة وإن  حدثت خلافات  سياسية  بينية ...
والمشكله ان الحاكم يستأثر  بالحكم والعشيرة والثروة  ليستمتع  ببعضها  ويعطي جلها  للمستعمر  القديم   الجديد  كضريبة حماية  وكشكر  على  تنصيبه حاكم  على البلد،وهذا ليس فقط في الجنوب بل وحتى البلدان العربية ...
وقد مر الجنوب وكذلك العرب بحركات واغلبها الحركة اليسارية التي كانت تمسك بزمام الحكم، وكانت اغلبها متطرفة ، تسير وفق الثقافة المعادية للامة ، وتستدعي التاريخ الخارجي ووصل ببعضها الى الّتنكر لاعظم قيم الامة "الإسلام".
واستطاعت تأسيس دول في البلاد العربية،وكانت حروب اهلية وعربية  اشعلتها بشعارات عبثية استنزفت طاقات الامة العربية،وكذلك الجنوب قد اكتوى من نيرانها، وانقسمت بين اليمين واليسار،وكانت تعلن  المعاداة للسعودية ومن كان على شاكلتها، ومصر تقود المعسكر الآخر ومن كان على شاكلتها.
ودخلت مع السعودية في صراع طويل للسيطرة على الوطن العربي انتهى بفشل تلك الدول وبقاء السعودية بالتعاون مع الأقطاب الدولية، وكان الجنوب احد تلك الدول ان لم نقل اولها.
وتعتبر الحركات اليسارية حتى لو لم تتدخل القوى الدولية ضدها هي في جوهرها حركة فاشلة لأنها تتنكر لأهم عنصر من عناصر نهضة العرب وهو "الإسلام".
مع أن فيها إيجابيات لا تنكر لبناء الدولة الحديثة.
واليوم دخلت قيادات تلك الحركات اليسارية تحت ما كان يطلق عليها بدول "الامبريالية والرجعية" وانتصر القطب الذي تمثله السعودية، واحتوى هذا القطب اغلب القيادات للتيارات، واصبح يقود  الصراع على الواقع، ويذكرنا  ذلك بالصراع الحالي في اليمن، الذي دخل الجنوب تحت عباءته، لكن هذه العباءة تتمزق اليوم وتتكشف العورات لليمن ككل، وهذا الصراع الذي ينطلق فيه المتدخلين من منطلقين:
المنطلق الأول: تسعى تلك الدول استراتيجيا للسيطرة على جزيرة العرب،  وهي من هذه الناحية ترفض الوجود الفارسي وهو يمثل حضارة مندثرة لها تاريخها والى جانبه الوجود الصليبي، وتتحالف تلك الحضارات مع الشعب اليمني ككل شمال وجنوب من منطلقه المحلي" الصراع الحضاري" على الارض والانسان اليمني ككل.

والمنطلق الثاني: أنها دول ترفض نقل الدولة إلى الشعب وهو الأمر الذي تسعى الثورة اليمنية او اليمنيين شمال وجنوب الى تعميق هذا المسار بقيام الدولة. 
كي يستر اليمنيين ماتبقى من كشف عوارتهم التي ينتظرونها من تلك الدول..
ومن هذه الناحية تقف تلك الدول ضد الشعب اليمني كله، لان خلفهم متدخلين من العيار القوي، وهم من يتحكم بالعالم.
وان الافضل وخاصه لليمنيين والخليجيين وهم من سيسطلي بالالم في هذه المرحلة الحرجة إيجاد صيغة توافقية بين اليمنيين "شمال وجنوب" والخليج ضد الأطماع الأجنبية في جزيرة العرب. 
فهل عرب الجزيرة ككل على قدر هذا التحدي الكبير؟
وان الاجابه عنه لابد ان تكون على الواقع الملموس، يتعايش معه الجميع حتى تتمكن الشعوب من الدفاع عنه، وهي صاحبة القرار، في الذوذ عنه وحمايته...
فقد طال امد الصراع قبل ان يصل كشف العورة...الى مستويات يعجز عن تغطيتها بسهولة.