أعداؤنا ثلاثة : خوف وجوع ومرض (2)

وفي اليوم التالي السبت الموافق 13/نوفمبر 2021م ، شعرت بشيء من الشوق للمكان نفسه المقهى المجاور لبريد الشيخ عثمان ، وبخاصة بعد أن تعرفت على عشرة أو يزيدون من أولائك المسنين المختلفي الثقافات لاختلاف  أزمانهم ؛ فمنهم نقابيون ورياضيون وعاملون عملوا في المصافي وفي الميناء وفي غيرها من المؤسسات إبان عهد الاحتلال البريطاني لعدن ، وهؤلاء تجدهم مازالوا متأثرين بالثقافة الإنجليزية إلى اليوم ، وعندما تتبادل الحديث معهم تسمعهم يبكون على أشياء جميلة رحلت عنهم ، ويحنون لماض أجمل منها ، لم يعد بمقدورهم العثور عليه  ، مما يحنون له ويتمنون عودته ؛ النظافة التي كانت تشمل شوارع عدن ومساكنها وسكانها وأسواقها ، ويضربون على ذلك أمثلة كفعلهم مع الوافدين إلى مدينة عدن وكيف كانوا معدين لهم أماكن للإقامة في نمبر 6 يرشون على رؤوسهم مسحوق إبادة القمل ويغسلون أجسامهم وملابسهم لعدة أيام ، وبعد أن يتأكدوا من نظافة أبدانهم وشعورهم ، يصرفون لهم ملابس جديدة ثم يسمحون لهم بالدخول ....

نظام التعليم الذي كان يبرز في اختيار المعلم الجيد وإعداده وتأهيله ومراقبة أدائه ، كذلك اختيار الطلاب وكيفية تحصيلهم والقيام بأنشطتهم ...

النظام الصحي ، وكيف كان الأطباء والممرضون والصيادلة وغيرهم من العاملين في الحقل الطبي ملائكة رحمة لا ملائكة عذاب ..
وهناك فئة أخرى ، ولها ثقافة أخرى ، وهم الذين يمثلون مرحلة حكم الجبهة القومية ثم الحزب الاشتراكي ، هؤلاء تجدهم أكثر صراخا وولولة من الذين قبلهم إذ يحكون لك أيامهم البيض ولياليهم الغر ، ومن أقوالهم : أين أيام العز ؟ يوم كان الكيس الدقيق بمائة شلن والعلبة الدانو بعشرين شلن ، أين أيام كانت البيرة من مصنع صيرة على متناول يديك ؟ أين أيام عسكرة الوطن ؟ يوم كنا من المهرة إلى المندب ننام جميعا الساعة السابعة مساء ونصحو جميعا الساعة السابعة صباحا ، أين أيام الباصات التاتا وتذاكرها الراقية ؟ أين أيام الابتعاث للتحصيل العلمي في دول الشرق الشيوعي ؟ حين كانت تمر علينا السنون ونحن غارقون في اللهو والمجون حتى إذا ماقررنا العودة إلى أرض الوطن صرفت لنا الشهائد من غيرما تعب أو نصب ، فنعود بشهائدنا من غير عناء .....
ثم نأتي إلى الفئة الثالثة ، ولها ثقافة غير السابقتين ، فتسمعهم يقولون : أين تلك السنون التي كان فيها الدولار يساوي مائتين وخمسة عشر ريالا ؟ وثمن الكيس الدقيق لايزيد عن ألفي ريال ، والدبة البترول سعة عشرين لترا بسبع مائة ريال ، أين الأمن والأمان يوم كان المسافر يقطع من حجة إلى المهرة ومن المهرة إلى الحديدة ليلا أو نهارا لايخاف شيئا ؟ أين زمن البناء والتنمية ؟ يوم كانت الشوارع ترصف ، والمدارس والكليات تبنى على امتداد الوطن وإن كانت مواصفات المخرجات أقل من المأمول ، ومعايير الجودة أضعف من المبتغى ، وكذلك بناء المشافي والمستوصفات والوحدات الصحية في المدن والضواحي والقرى والأرياف ، وإن كان كثير من المخرجات قد أصيبوا بداء الجشع والكسب غير المشروع ، وتحولوا من ملائكة رحمة إلى ملائكة عذاب ...
أوجزت هذا لصديقي فارع الذي وجدته في ذلك الملتقى ، ونحن نحتسي الشاي مع اثنين آخرين من أصدقائه ، ثم سألته ترى ماذا ستقول الفئة الرابعة التي هي الظاهرة في المشهد اليوم إذا ما أصبحت جزءا من الماضي ؟ أظن يا أخي أنها ستقول : لقد أثرينا بعد أن استهترنا بهذا الوطن الذي حافظ عليه السابقون إذ بعنا ترابه بعد أن فرطنا في سمائه ومائه ، لقد تاجرنا بدماء البسطاء من هذا الشعب ، لقد استوردنا لهذا الشعب المغلوب على أمره الجوع والخوف والوباء ، وكذلك قمنا بتدمير ماتبقى من الأخلاق والقيم لديه لكي لاتقوم له قيامة إلى يوم الساعة .... أجل ياصديقي فليس لهذه الفئة أمر إيجابي واحد ..... ومع هذا كله فثقتنا كبيرة بالكبير المتعال الذي إذا أراد شيئا إنما يقول له : "كن فيكون" .......