مقدم الاحتلال الثالث

قبل خمس سنوات كانت تُهدر التضحيات "بدون مقابل" واليوم لا تختلف الصورة كثيرا.. ولكنها قد تكون أكثر إهدارا، وهي تؤكد كل الذي توقعناه وحذرنا من وقوعه، ومثلما تحررت عدن بدون مقابل، تحررت مناطق شاسعة من الحديدة واعيدت كذلك بدون مقابل، وبدون مقابل يخسر الجنوبيين بمختلف انتماءاتهم ومكوناتهم في الحرب والسياسة.

وليس هذا فحسب، وبل وقبلوا أن يكونوا مجرد أدوات سياسية بيد "قوى خارجيّة" ..وعلينا أن نعترف أن كل الجهود السياسيّة العبثيّة للجنوبيين ليست في مصلحتهم ولا تخدم الصالح العام لتطلعاتهم ومتطلباتهم، والسؤال من الذي يتحمل المسؤولية الكاملة في اللحظة الراهنة، والجنوبيين على اعتاب المرحلة التي قد لا تقوم لهم قائمة بعدها؟!

وهل لريع معادلة "مقابل المقابل" والتي استأثروا بها وبريعها أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، وبعد أن استغلوا حالة "العسكرة الشاملة للجنوب".. وهل يستطيعوا أن يواجهوا الالتفاف الدائر عليهم، وهل هم قادرون على مجابهة "مخطط الالتفاف "بعد أن اوصلوا الجنوب والجنوبيين إلى أتون حقبة "الاحتلال الثالث"..!!

وكيف لنا أن نحاول ترتيب اوراق اللعبة السياسيّة و"مدعيي الوطنيّة "ودعاة" استعادة الدولة" قد تنازلوا عن كل ما كان بحوزتهم، والذي كان من الممكن أن يدفعوا به الخطر الداهم الوشيك، وهم مكبلين بقيود التبعية والارتهان، ولم يعد بمقدورهم صنع شيء.

وهل من الاجحاف والتعسف أن نحاكم كافة المكونات السياسيّة الجنوبيّة، ونحملها المسؤولية، وأغلب تلك المكونات رفضت وعارضت "الأداء السياسي التبعي "للمكون الجنوبي المرتهن طيلة خمسة اعوام من التيه والارباك والفشل وتسويق الوهم والمتاجرة بالتضحيات..؟ وهل بدأ العد التنازلي لانتهاء فترة "الخدمات المجانيّة "والتي قدمها مجلس "المرحلة الأسوأ "في تاريخ الجنوبيين..؟

وهل انطلاق "ثورة الغضب" في ردفان، تُعد مؤشرا على قرب طي الصفحة التاريخية الأسوأ؟ وماهي الخيارات البديلة للمرحلة والمواجهة القادمة للجنوبيين؟ والأبعد من ذلك، ماهي "الضمانات الحقيقية" لضمان نجاح أي توجه سياسي جنوبي ناشئ في المستقبل؟

وهل من الممكن أن يحرز الجنوبيين المنتفضين في ردفان نجاحا من شأنه أن يحافظ على ما تبقى "للقضيّة الجنوبيّة" من أسس ومقومات تمكنهم من استيعاب تحديات المرحلة على ضوء المستجدات والتطورات المتصاعدة والتي لا تعترف بالجنوبيين ولا بقضيتهم؟ وفي ظل انسداد أفق حل ازمة الانقسام "الجنوبيّة الجنوبيّة" كمعضلة تاريخيّة للجنوبيين ولصراعاتهم؟

وما بين ريع معادلة "مقابل المقابل" والتي أعادت الجنوب إلى ما بعد حرب"صيف٩٤"وبين عبث معادلة" بدون مقابل" والتي احالت الجنوب إلى معسكر "للمليشيات المناطقية" المتصارعة والمتعددة الولاءات، والتي لا تملك قياداتها مشروعا سياسيا حقيقيا، هناك حقيقة تاريخيّة تِعيد انتاج اخطاءها، وهي تُجدد ازماتها وانتكاساتها، وبعد أن تختط لنفسها مسارا تصادميا لأقصاء عقلاء وقادة" الصف الوطني الجنوبي "في كل المراحل لتحكم الجنوب بنفس مناطقي مقيت.