تونس .. أبعاد خطاب قوي لرئيس مرتعش!!.

عبدالفتاح الحكيمي.

 

ما جرى في تونس يضع الرئيس قيس بن سعيد إزاء محكمة ضمير أخلاقية قبل زعمه أن الأنقلاب الذي قام به على باقي مؤسسات الحكم من صميم الدستور.

فالمادة ٨٠ من دستور تونس في حالات الطوارئ تبقي البرلمان في حالة انعقاد دائم وليس تسليم رقبته للعسكر في إهانة معنوية واضحة أراد توجيهها المنقلب عمداً لخصومه.

 

* جذور الأزمة *

 

جمع انقلاب تونس بين الدافع الشخصي المحض للرئيس المنقلب والجانب الموضوعي العام .. فعلاقات قيادات رئاسة البرلمان(الغنوشي) والحكومة( الشبشي) بالرئيس قيس بن سعيد مثخنة بأزمة الثقة الحادة وصلت إلى عدم الإحترام الشخصي وفقدان الثقة في التعيينات وفرض أشخاص وقرارات خارج توافق جهات سلطات الدولة الثلاث الرئاسة والبرلمان ورئاسة الحكومة.

تبدو خلفية كل ذلك خلل دستوري في نظام الحكم وتوزيع السلطات والصلاحيات بين رؤوس هرم السلطة الثلاثة مع ما يعتبره الرئيس بن سعيد أنه تحالف برلماني حكومي ضده شخصياً وليس خللاً دستورياً في وضع وحدود سلطات رئيس الدولة التي قَبِل بها على ما هي عليه منذ بداية تزكيته للرئاسة من متعهديه الإخوان المسلمين بوجه خاص.. إلا أن أخلاقيات قيادة دولة ما بعد الثورة تفترض قدراً كبيراً من توافق السلطات كلها لهدف مشترك وطني واحد وليس الاستحواذ.

 

أفرزت سيطرة حزبين على البرلمان(الإخوان وقلب تونس) تجاذبات واصطفافات سياسية حادة في الشارع التونسي وتحريضات مضادة ثم حالة احتقان وانسداد على خلفية أوضاع حياتية متردية وعدم رضى القوى السياسية ببعضها. 

 

الوجه الموضوعي لانقلاب قيس بن سعيد هو فعلاً حجم تراكم الأزمات المعيشية والإدارية والإقتصادية وأخيراً كارثة كورونا التي قلبت الطاولة على الجميع ومنحت الرئيس المنقلب المتنفس المنتظر لما كان مخططاً له منذ ٦ أشهر على الأقل بحسب تقارير دولية عديدة.

من يرى أن خطوة بن سعيد الأنقلابية استهدفت الإخوان المسلمين فهي تبدو كذلك الآن على الأقل في غضون ٤٨ ساعة من دعوة الرئيس المنقلب لتولي الجيش تسيير شؤون البلاد وحلّ مجلس النواب وانتشار الطوارئ العسكري وتفعيل المحاكمات الإدارية والأمنية والقضاء وتوجيهها بقصد عمدي إزاء من يعتقد أنهم خصوم الرئيس في جماعة الإخوان وقلب تونس وغيرهم.

لم يكتف قيس بن سعيد بالغاء السلطات المنتخبة ورئاسة الحكومة فاستدعى قوة الجيش والأمن القاهرة وصولجان المحاكم وكل الأجهزة في الدفاع عن سلطته أكثر من رغبته في حماية وتحقيق العدالة وتصحيح خلل توازن سلطات الدولة الذي أفسد علاقته بالبرلمان والحكومة.

هكذا تبدو الصورة التي عليها حالة الرئيس التونسي مرعبة وأن ظهر متماسكاً في كلمته بتكليف الجيش بممارسة أعلى درجة من القمع( سنواجه الرصاصة بوابل من الرصاص) وسوف تصدر أحكام الإعدام في حق كل من يثبت نهبه للمال العام.

رسائل حزم في معركة استثنائية صعبة للغاية يعتقد الرئيس المنقلب قيس بن سعيد أن الهجوم الشرس بهذه الطريقة الترهيبية ضد خصومه سيكسب نصف المعركة مقدماً .. باليمني (الهنجمة نصف القتال) لتأتي الأجهزة العسكرية والقمعية والعَسَس بباقي ما يتوخاه شخص دستوري من الطراز الأول قبل منذ اللحظة الأولى أن يكون مجرد رئيس صِوَري في ظل نظام حكم برلماني ثم عندما بدأ مزاج الشارع يتغير ويتبدل لصالحه مؤقتاً ركب موجته ليظهر أنه جزء من المجتمع أو مظلوم مثله فانقض على أبرز داعميه للرئاسة(الإخوان المسلمين).

 

ومع توجيه الرئيس ببدء فتح ملفات فساد التمويل الإنتخابي لأعضاء البرلمان لتبرير حله غير الشرعي لم تقدم كذلك ملفات فساد تمويل انتخابات الرئاسة التي نجح فيها قيس بن سعيد بدعم من المتهمين أنفسهم بفساد مرشحي البرلمان !!.

 

مارس التوانسة قدرا من التنازلات الظاهرية لبعضهم أو ادعاء القبول النسبي بالآخر على مضض طوال عشر سنوات بعد ثورة ٢٠١٠ وذلك أفضل من الانجراف نحو الفوضى.

ومارس الإسلاميون قدراً من البراجماتية النفعية الحزبية والتحالفات المضطربة لصالح الجماعة والحزب والتنظيم في وضع يتطلب الإيثار وليس الأَثَرة في وضع معيشي اقتصادي وإداري خدمي لا يحتمل .. 

وكان الرئيس قيس بن سعيد جزءاً من أي فساد مالي قد يثبت على الإخوان في تمويل انتخابه .. وتوجد لدى كل حزب تونسي وتنظيم ونقابة ملفات مقابلة لفساد مضاد يجعل توجيه محاكم تونس الأتهامات في قضايا محدودة إلى جماعة معينة إخلالًا بمبدأ العدالة الذي يرفعه قيس بن سعيد باسم الوطن والمواطن التونسي.

 

إلا أن عدم ثقة الرئيس بثبات شعبيته الطارئة ألْجأهُ إلى عون الجيش والأجهزة وتوظيف القضاء ضد خصومه بهذه الطريقة مجاراة للحظة الكراهية والتعبئة الإعلامية الموجهة ضد نصف شعب بلاده تقريباً.

وسوف تستخدم المحاكمات القضائية المطولة كجزء كريه من مخطط إدارة السلطة الفاشلة والهاء الشعب بقضايا قد تكون أقل أهمية والتنصل من وضع الحلول العاجلة لمشاكل المعيشة المضطربة والبطالة والخدمات وسؤ ادارة مؤسسات الدولة والحريات الديمقراطية والعامة.

ولا يظهر الرئيس الأنقلابي قيس سعيد أي استعداد حقيقي صادق لإصلاح مسار نظام الحكم دستورياً ولو عبر نظام تشاركي مختلط لإعادة توزيع السلطة بين البرلمان والرئاسة والحكومة مع اعتماد مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات بما يمنع هيمنة المكونات الحزبية أو إعادة إنتاج استبداد الحاكم الفرد.

كل ذلك يؤكد أن هذا الرجل القانوني ظاهراً يمضي بمنأى عن معالجة تناقضات صِيَغ نظام الحكم الدستورية والقانونية باعتبارها أساس المشكلة بكل ما أفرزته التجربة والممارسة الحزبية في تونس من ضيق أفق ونرجسية الأحزاب السياسية على حساب الوطن.

 

* هروب إلى العسكر *

 

والدليل الحي هو هروب الرئيس إلى المؤسسة العسكرية والأمنية لتوليها تسيير شؤون البلاد خمس سنوات وليس مجرد عام أو عامين على الأكثر تمهيداً للأنتقال وإصلاح النظام السياسي.

ويثبت تكليف بن سعيد ذاك للعسكر عن عجز ومأزق واضح في توليه إدارة شؤون الدولة وتحمل المسؤولية الشخصية عدا عن تتويجه عودة الديكتاتورية بقوة خلافاً لتصريحات قيس بالتزامه للحريات السياسية والمدنية الديمقراطية !!.

وقد ينجح قيس بن سعيد في صرف وتشتيت اهتمام المواطن التونسي بقضاياه ومطالبه الرئيسية الراهنة لبضعة أشهر فقط بتصدير كراهية الناس الإجتماعية تجاه خصومه الحزبيين الذين عليهم تفويت هذا الرهان الخبيث والتزام أقصى درجات ضبط النفس وترك ردود الأفعال.

وفي الواقع لا تبرأ قيادات الأحزاب السياسية إخوان ودستوريين أحرار وقلب تونس والنقابات ويمين ويسار من المساهمة في وصول الأوضاع إلى ما هي عليه وتقديم ذرائع جاهزة لانقضاض الرئيس المتربص وانتصاره لمعركته الشخصية التي قرر أن تكون الآن هي برنامجه السياسي البديل للسنوات القادمة بدلًا من محاولة إصلاح الدستور الذي أكله حمار غوار الطوشي.

ولعل فرضية إن الجيش وجد ضالته في نموذج شخصية قيس بن سعيد القرطاسية الهشة سوف يغري بأكثر من انقلاب وانقلاب كما هي التوقعات !!.