لم يعد العيد سعيدا في وطني

اليوم كان عيد لاضحي المبارك، بعد عبادة الحج ... كل عام والجميع بألف خير... وخير... ترددت عند كتابة هذه السطور، ولكن سلطة الحرف قاهرة، وتصوير المشاهد والمواقف من الأمور التي تهاجم الوعي، حتى ينثرها على الصفحات... ومشكلة المشاكل عدم الاعتراف بها، ومشكلة المشاكل إذا لم يعجب النص المتلقي، حيث يصبح الكاتب كمن ألقى نكتة أو طرفة، ولم يضحك عليها أحد... عندها يحمرّ وجه الملقي ويعرق... وكذا الكاتب إذا كانت كلماته كالحجارة الغشيمة يهرب منها كل ذي لُب...

أتحفّظ بالقول إن الحزن يركب المواطن بدل الفرح... يركبه من ساسه إلى راسه... لا أدري هل توافقوني على ذلك أم لا؟ فالثكلى تتذكر المرحوم يوم العيد... وتتذكر ممارساته وقهوته الصباحية... وأم الشهيد وأخته وأبوه وأخوه... يتذكرون دمه النازف في الأرض، يتذكرون أنّته الأخيرة... تخرج أمه قميصه من الدولاب... تشمه وتعيد تعليقه هناك... وكأنها لا تؤمن بالذكرى حتى تنحدر الدموع على خديها... 

أسرانا... وما أدراك ما أسرانا... كيف يفرح الناس في عيدهم... والأسير مكبل بذكرياته، ينتصر لحنينه... ويرسم الأمل على الجدران... عله يخترقها ذات يوم...

أنا متأسف... والله لا أريد لكم الحزن... ولا جلبه، لكن علينا أن نعترف جميعا، أن الواقع حزين... بل حزين جداً... والنازح في وطني والمغترب خارج الوطن حيث تمر عليهم صور البلاد... البلاد التي هجّرو منها... صور الاشجار التي كان يتفيؤ ظلالها، وتمر عليه في العيد تلك الصور وهو يحتسي فنجان قهوته الصباحي في المنافي البعيدة... يزجره الناس، وتستعبده قوانينهم... يتصور نفسه مع ظلم الكفيل ... وطحين الكفيل... ورسوم التجديد ...... نعم، هو عيده مجموعة من الصفحات المؤلمة التي تثير دموعه بل ردحه... أين الثرى من الثريا؟ وأين الرايح مع المروّح؟ ... حتى الطفولة قتلوها فينا، اليوم وأنا عأيد من مصلي العيد لم أشاهد الأطفال يلعبون في الحوافي، وكأنهم تمردوا على طفولتهم، فكانت الحوافي أشبه بأطلال تنتظر بقايا مرتاديها...

تكبيرات العيد شجية، وصلاتنا كانت مسروقة... والزيارات اقتصرت على الأقارب من الدرجة الأولى... أين العيد؟ لقد هرب العيد منا... هرب من أرضنا... من وجوه أطفالنا...

حياة المواطن في وطني أشبه بالمأساوية... بل هي مأساوية فعلاً... ... خوف وترقب وإنتظار الفرج... ترقب وقلق ... قلق وتوقع المآسي الأقسى... بؤس وحرمان وفقر... كلما نبز المواطن قُمِع... إنه أشبه بعرق الملوخية كلما اخضرّ... قصّوه... 

خلاصة القول: ما العيد الذي ينظمنا؟ وقبل أن ننهي نقول: إننا كفّ تعوّد على اللطم... لا يفارقنا... ولا نبرحه... وكل عام والجميع بألف خير...