حكايتي مع الفياح ....

ترى هل يرجع الماضي فإني** أحن لذلك الماضي حنينا
نشأت في قرية الفياح والفياح حقل زراعي كبير ، يعد سيد الحقول في ضاربة الروجح الذين هم فرع من قبيلة العلقمة ( بني مجيد ) ، ترعرعت في أحضان هذه الأرض ، وأصبحت مغرما بها كهيام الحبيب بحبيبه ، وهي قرية متواضعة تقع على تل يحتضن ضاربة الفياح من الجهة الغربية ، والضاربة في لهجة الصبيحة تعني مجموعة من الحقول الزراعية ، وسميت بضاربة الفياح ؛ لأن الأخير هو الحقل الأكبر فيها ، وإلى جانب قريتنا قرى كثيرة لكنها متباعدة ومتناثرة في منطقة واسعة  ... فكانت هذه القرى متباعدة الأسفار ، تنعدم فيها الإضاءة ليلا أو تكاد  إلا ماكان من مواقد البدو الرحل المتناثرة التي يشعلونها لاسيما عندما يحطون الرحال على سفوح الجبال لأنها عادة ماتكون مثوى للأمطار ومرتعا للعشب والحشائش  ومهوى للتيارات الباردة  في فصل الشتاء ؛ الأمر الذي يقضي بضرورة إقامة البدو الرحل ؛ لتوفر الماء والكلا من جانب ، وإشعال النيران ليلا ؛ ليدفئوا  أنعامهم من البرد من جانب آخر ، فتكون  في مرمى أبصارنا - نحن أهل القرى - كالقناديل المضيئة من على متون السفن المتناثرة والمتباعدة  في المحيطات والبحار ..

اعتمد آباؤنا على الزراعة والرعي  والصناعات اليدوية ؛ كصناعة الفحم إذ يقومون  بحفر  حفر مستطيلة يسمونها مهافي ومفردها مهفى ، يكون عرض الواحدة منها حوالي ثلاثة أمتار وطولها يصل إلى ستة أمتار أو يزيد ، أما عمقها فيصل إلى ثلاثة أمتار ، ثم يملأونها بحطب السمر ، ولكن برصه فوق بعض بطريقة بديعة وعجيبة حتى لاتكاد تجد فرجة صغيرة بين عيدان الحطب ،  يستطيع يتسلل من خلالها الهواء إلى أعماق المهفى ، ثم يغمونه ببعض الحشائش أو أشجار الأثل حتى لاتستطيع رؤية عيدان الحطب المرصوصة ، بعد ذلك يهلون عليه التراب حتى يصبح شكله يشبه القبر ، غير أنهم يبقون فتحة صغيرة مكشوفة من الحطب ليضعوا فيها النار ، وهي بدورها تتسلل إلى أن تحرق الحطب كله داخل المهفى ولكن ببطء وهدوء ، فيتحول إلى سود ( فحم ) ، يضعونه في جواني ويصبح جاهزا للتصدير إلى حاضرة بحر العرب .... أما الصناعات العزفية فهي من النخيل و المضاربة تعد واحة جميلة عرفت بزراعته ، فكان والدي وغيره من أبناء المضاربة يهتمون بزراعة النخيل والإفادة منها ، فإذا ماجاء موسم الخرج أي ظهور  القبو ومفرده قبوة ، في قلوب النخيل قام والدي بانتزاع قبو الذكور قبل أن يفتش - والذكور عادة ماتسبق الإناث بإخراج القبو - ثم ينزع الغلاف الخارجي من على كل قبوة ، ويضعها في مكان تحت أشعة الشمس ، شرط أن تكون في مأمن من الرياح ، يتركها حتى تصبح يابسة من حرارة الشمس ، بعد ذلك يقوم بتجزيئها برفق ثم يلفها في خرق لكي لايذهب المسحوق الأبيض الذي ينبعث منها إذا حركتها أو عرضتها للرياح - وهو اللقاح - وهنا تكون الإناث قد أخرجت قبوها وتنتظر التلقيح ، فيأخذ الوالد ذلك اللقاح الذي يسميه بعد أن أصبح يابسا الشقار ، ويصعد الإناث من النخيل ، فيبدأ بتشذيب النخلة كما يهتم الشاب في راهننا بتزيين شعر رأسه ، يخلع الكرب والسعف اليابس من حول قلب النخلة وكذلك يشري السعف الأخضر أي يقتلع منه المواليب التي من شأنها التأثير على البلح وإيذاء النخال في الوقت نفسه ، وهنا يقوم بخلع الغلاف من على كل قبوة ثم يخبطها بالشقار فينبعث مسحوق اللقاح الأبيض على شكل دخان يتسلل في أوساط زجل عذق الأنثى الذي خلعنا من عليه غلاف القبوة ، وهذه العملية تسمى التلقيح ، وهنا ينتهي الوالد من عملية التلقيح ، وبعد أكثر من شهر تقريبا ، يكون البلح قد بدأ يتشكل في القتب على شكل حبيبات بحجم قمح الذرة الرفيعة ، ويسمى في هذه المرحلة لولا ، فيعود الوالد إلى صعود النخلة ثم يقوم بسحب القتب إلى الأسفل قليلا وربطه على مؤخرة السعفة الأقرب منه ، وهذا من أجل أن يحمي اللول من عبث الرياح ، وبعد بضعة أشهر يكون اللول قد كبر وأصبح يسمى ذابلا ، فيصعد الوالد النخلة ، ويهز الأقتاب الثقيلة ليخفف من الحمولة وإذا مارأى الحمولة فوق طاقة النخلة فإنه يقوم بالتخلص من بعض الأقتاب حتى لاتصاب النخلة بالعجز فيبقى بلحها دون النضج ، المرحلة الثالثة يبدأ البلح بالإصفرار أو الإحمرار ، فيصعد الوالد النخلة ويقوم بربط كل ثلاثة أقتاب معا ، وتسمى هذه العملية القران ..

وبعد أكثر من شهر ، يبدأ البلح بالنضج ، فتبدأ مؤشرات تدل على النخلة المرطاب والنخلة المقصاب ، فيقوم الوالد بإحضار كمية من أغصان أشجار المرخ والعنشط ذات الرائحة العطرة  ويلفها على أقتاب الرطب ويحكم ربطها من الأسفل وتسمى الواحدة منها خبرة ، ثم تترك على ذلك الحال حتى تصبح ناضجة تماما فيتم قطع تلك الخبر المملوءة بالرطب وكذلك الأقتاب التى تحمل البلح القصب أي الجاف ...ومن هنا يتم تصدير القصب إلى الحواضر أما الرطب فيقوم برصه في قفف - مفردها قفة - كبيرة مصنوعة من العزف مع ذر الملح على رصات الرطب ، وإحكام الإغلاق لكل قفة ثم وضعها فوق الأخرى حتى تتشكل رصات كبيرة من قفف الرطب ، بعد ذلك يبيع بعضها ويحتفظ ببعض لنأكل منه حتى يدور علينا العام ونحن نأكل من تلك القوصرة التي لافرق بينها وبين القواصر المستوردة من بصرة العراق آنذاك ، فضلا عن المصنوعات العزفية التي كانت تقوم بها النساء ؛ كالسلق والآجاب والقفف والأغطية وووووو ..

فهل علمت أخي القارئ كيف كان آباؤنا منتجين !!!!؟؟؟؟؟ ؛ إذ يأكلون مما يزرعون ، ويصدرون من السود ( الفحم ) والتمور والمصنوعات العزفية والمواشي مايكفيهم لشراء ملابسهم واحتياجاتهم الأخرى ... وهل أدركت أخي القارئ الفرق بيننا وبين آبائنا ؟؟؟؟؟؟؟؟ ولماذا نحن مستهلكون فقط مع التقدم العلمي والتكنولوجي الذي نعيشه اليوم ؟؟؟؟؟؟ علما بأن الذي جعلني أطرق هذا الموضوع هو سفرتي الأخيرة إلى المضاربة إذ رأيت النخيل خال من التمور ، فسألت بعض المواطنين ، ألسنا في موسم نضج التمور ؟ قالوا بلى ، قلت ولكن لماذا لا أرى شيئا منه على النخيل ؟ قالوا لقد انشغلنا بالجري وراء ماتقدمه لنا المنظمات من فتات ونسينا رعاية أشجار النخيل وماتقدمه لنا من تمور فضلا عن انشغال أبنائنا بالألف السعودي في الساحل الغربي .....