رائحة الموز

الحديث عن أبين حديث ذو شجون ، و الكتابة عنها أشبه بذلك ،  و حين أهم بالكتابة عنها تنتابني الحيرة و تدور في مخيلتي الكثير و الكثير من  التساؤلات  ، لعل من أهمها من أين أبداء  ؟ و عن أي جزئية و زاوية أكتب ؟ ... و حين أبداء الكتابة عنها فقلمي يشتت أفكاري أيضاً ، فهو يسابقني بعفوية لا إرادية ليستوي على السطر لينساب و ينزف دماً  ، و يحكي عن آلامٍ و حنينٍ و أنين..   فقلوبنا مفطورة لماضيها و حاضرها اليوم الذي لا يسر عدواً و لا حبيب ..

      آه يا زمن ولى ليتك تعود بجمال أيامك في أبين .. فمن منا لا يحِن و يتذكر صوت جرارات المزارع  يعلو مع شروق شمس كل يوم .. حين كانت عرباتها تمتلئ بعمال و عاملات المزارع و محلج القطن و من من بعيد  ترى البسمة و السرور يلوح مرتسماً على شفاههم و وجوههم ، و تسمع صدى صوت أناشيدهم و أهازيجهم التى تطغى على صوت جرارهم ، و يا شارح بالله أعطني من حقلك سبولة ، و يا فلاحين يا زارعين ، و يا محلاه في المحلج .. ألا تتذكرون ؟

  نحن لأبين و لهيبة سالمين حين كان يتجول في مزرارعها و شوارع مدنها .. نحن لمؤسسات الدولة و النظام فيها .. نحن لهيبة رجل المرور في جولات شوارع مدنها و مداخلها .. نحن لإنضباط كوادرها في إداراتهم .. نحن لصوت أصابع الطابعة التي تلاعبها أنامل (سكرتيرات ) المكاتب و نحن نراقبهن و نقف أمامهن بإنتظام و ننتظر إنجاز معاملاتنا دون الحاجة إلى وساطة و لا جاه .. نحن لسهرات العطروش و عوض احمد و (الدحيف) و الدان السواحلي و يا نايم على البحر ماشي فائده .. نحن لنادي حسان و احمد مهدي و ناشر و أولاد نعوم .. نحن لسواحلها و لساحة الشهداء فيها .. نحن لخضرتها و لرائحة الموز التي تميزها و تفوح من مزراعها و تنتشر في شوارعها ..

   اليوم تئن ضمائرنا و قلوبنا و نفوسنا و جوارحنا للحالة التي وصلت إليها أبين .. فلم تعد للموز رائحة و طغت روائح البارود على روائح الموز .. لم تعد تكسوها الخضرة كما كانت و تلونت الأرض بلون الدماء التي تسيل عليها .. تشرق الشمس فيها اليوم على أصوات (المنجزرات) و أزيز الرصاص .. لم نعد نسمع أهازيج الفلاحين و العطروش و عوض احمد و طغت عليها أناشيد و (شيلات) الحرب .. لم يعد هناك بلابل و كروانات و حمائم تشدوا بأصواتها الجميلة و هي تداعب الزهور و تتنقل فوق الغصون .. و أنتشرت الجوارح في أجوائها و لا تسمع الا نعيقها و هي تحوم تترقب رؤية جثة هنا او هناك ..

   لم نعد نرى البسمة على شفاه الأبينيين و طغت تعابير العبوس و البؤس و التعاسة على محاييهم  .. تحولت مزارعهم إلى إقطاعيات و تدمر محافظتهم بمنهجية و مؤامرات ، و يعانون البطالة و ليس أمامهم الا اللهث خلف فتات المنظمات الإغاثية أو بيع أرواحهم في جبهات القتال ليسدوا رمق جوع أسرهم ، و الأفضع من ذلك حين يتواجهون في المعارك فيما بينهم البين مثلما يحدث في الشيخ سالم و شقره و حدث في أحور و مودية و المحفد و آخر المتمات لودر ..

  أبين أفقر المحافظات على الأطلاق ، و رغم كثرة القادة من أبنائها ، إلا أنها  لا موارد لها و لا إستثمارات أقيمت فيها و يمكنها أن تساعد في تحسين الوضع و لو جزئياً ، و لا ضير أن قلنا أن هؤلاء القادة هم اللعنة التي أصابتها، فهم فقط يستثمرون أرواح أبنائها و يتسلقون على جماجمهم للوصول لمصالحهم و مراكزهم السياسية و دون النظر لمصالح مواطنيهم و محافظتهم ..
 
  أن أبين اليوم يتمزق جسدها و نسيجها السياسي و الإجتماعي ، بل و جغرافيتها أيضاً ، و كل يوم يمر تتسع الهوة و الفرقة بين أبنائها ، و بما أن قياداتها على الساحة لا يعول عليهم في ردم تلك الهوة ، فيرى الكثيرون أن الرئيس ناصر هو الشخص الذي يمكنه إنقاذ أبين على إعتبار أنه الوحيد الذي ستتقبله كل أطياف المجتمع الأبيني السياسية و الإجتماعية و القبلية .. فهل نأمل ذلك من الرئيس ناصر أم أننا ننتظر و نترقب على أمل أن هناك من سيأتي ليعيد رائحة الموز لأبين ..