تأملات مع مناسك الحج

الحج نداء قديم جديد في زحمة الحياة وفي معركة الصراع مع متطلبات الدنيا ...ينتقل فيه الحاج من الواقع إلى التاريخ ومن الماضي إلى الحاضر عوداً على بدءٍ في تلك المنطقة الصغيرة والصغيرة جداً من الكرة الأرضية والتي حُددت لأداء مناسك الحج , وذلك لتكون منطقة سلام روحي تتضاءل فيها الحجب بين الأرض والسماء إلى درجة التماس , 
 وتندمج فيها الأرواح أففياً لتصبح كأنما هي روح واحد صهرت فيه كل تلك الأشكال  والاختلافات والرؤى والفكر والمذاهب والجنس واللون والعرق ..فصاروا جسماً واحداً وروحاً واحداً وقلباً واحداً ولساناً واحداً ... يترجم ذلك حركة الملايين من الحجاج في نسق واحد ..في طوافهم وسعيهم وحركتهم ووقوفهم على جبل الرحمة ونفرة المزدلفة ورجم الجمرات وفي لباسهم ودعاءهم وحركتهم ...حتى ليخيل  
 للناظر كأنما تلك الجموع جسمُ واحدُ لا أجساماً متعددة وصورة واحدة لا صوراً مختلفة.. فيتحقق في عالم الشعور من الوحدة والألفة والمحبة والأخوة والقوة والانسجام  ..مالم يتحقق في سواه..
تظللهم جميعاً روحانية ذلك النداء الإبراهيمي القديم الخالد المتجدد ( لبيك اللهم لبيك ).

هكذا يتحقق السلام بمعناه الحقيقي في تلك القطعة الجغرافية من الكرة الأرضية...
سلام حقيقي يستحيل تحققه في أي بقعة من بقاع الأرض ..
سلام الروح وسلام القلب وسلام الجوارح ...كأنما صهرت تلك الأرواح جميعاً فَأزِيلت عنها رواسب الجاهلية النتنة وأخرجوا أناساً آخرين في صورة فريدة جميلة بديعة رائعة ..فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ولامراء ولا حقد ولا غل ولا  حسد ولا سلاح ولا قتال ولا نزاع ولا شجار ...إنما هي الإخوة الإيمانية والرابطة الإسلامية والعقيدة الربانية .

بل إن سلام ذلك المكان الصغير من الأرض  لا يقتصر على الإنسان فحسب وإنما يتجاوز ذلك ليشمل الحيوان والطير والشجر والنبات ..فلا يُصاد صيدُها ولا يقتل طيرها ولا يقطع شجرها ..بل ربما وجد الرجل قاتل أبيه أو قاتل أخيه ..فلا يؤديه بشيء ..
فالكل في أمن وأمان  والكل في سلم سلام والكل في حب ووئام !!

فيا لله كم هي عظيمة هذه الشعيرة إلتي تحقق ذلك السلام الحقيقي الذي تستروحه تلك الجموع وهي تؤدي شعيرة الحج 
   وتتذوقه تذوقا عملياً وهي تمارسه واقعاً معاشاً وتستظل بظلاله الوارفة اليانعة الجميلة وهي ترى مفرداته تترجم على الأرض .

ولعل ذلك من أسمى وأعظم مقاصد الحج 
إذ أنه ليس هناك ما هو أجل من السلام ...
السلام الذي فقدته البشرية الحائرة فتاهت في شعاب الصراعات وأودية الحروب , وفيافي النزاعات ..فشقت شقاءً ما بعده شقاءٍ , وتاهت توهاناً ما بعده توهان , فَحُرِمت من نعمة الأمن والأمان والسلم والسلام ..
فأكلتها الحروب ودمرتها النزاعات ومزقتها الفتن وأضعفتها نزعة الأنانية .. 
فانتكست , وضاع مجدها وذهب رِيُحها وأضحت كالفريسة للذئاب  .

فيالها من رسالة سامية وياله من مقصد عظيم تحققه هذه الشعيرة العظيمة في عالم الواقع لا في عالم الخيال وفي التطبيق العملي لا في التجريب المخبري ..

وهكذا تتبدى أهمية مبادىء الإسلام وقيمه السمحة ومثله العلياء وتشريعاته الرائعة..
فتُجدد هذه الشعيرة روابط الإخوة الإيمانية وتحيي عظمة الوحدة الاسلامية ..فتستجر ذلك التاريخ القديم لمهد العقيدة الإسلامية منذ سيدنا إبراهيم ومروراً بالأنبياء والرسل وصولاً إلى محمد عليهم  السلام جميعاً... فيبدو ذلك التاريخ لكأنما هو عقد فريد انتضمت حلاقاته في نظم رائع جميل ليظهر
للناظر جمال العقيدة الإيمانية وروعة التشريع الإسلامي وسمو المنهج الرباني.

لقد اقتضت حكمة الله سبحانه أن يقام أول بيت للتوحيد في تلك المنطقة التي تتوسط الكرة الأرضية في جزيرة العرب القاحلة ...ولعل ذلك يعود إلى ما تتمتع به تلك المنطقة من رصيد الفطرة السليمة وخلوها من لوثة الخزعبلات اللاهوتية, ولما تتميز به من أجواء الحرية والتي هي أساس العبادة ..فكانت نقطة البدء وبدء انطلاق رسالة التوحيد الخالدة التي حمل لواءها سيدنا إبراهيم بعد أن أتم بناء البيت العتيق فأمره ربه سبحانه أن يؤذن في الناس بالحج ..

وياله من موقف رهيب.. رجل وحيد في صحراء مجدبة لا فيها طيفاً لبشر.. ومع ذلك يأمره ربه أن يؤذن بالناس , فلا يتلكأ ولا يتباطىء بل ينفذ أمر ربه فيرفع صوت التوحيد بأقصى ما يمكن وبأجمل ما يكون فإذا به يبلغ الآفاق وتتجاوب له جنبات الأرض من مشرقها إلى مغربها.. ولا يزال صداه يجلل حتى الساعة.
 فها هو ذا صوت التكبير يدوي اليوم عبر القارات في كل لحظة لا يتوقف , وها هي أفئدة المؤمنين تتلهف شوقاً لرؤية ذلك البيت الذي بناه أبو الأنبياء في ذلك الزمن السحيق , وها هي تكبريات الحج تعج بها اليوم آفاق الكون في تناغم وتناسق وانسجام 
لتحي رسالة التوحيد , وتجدد روح العقيدة , و تثير رابطة الايمان ..

فيالها من شعيرة عظيمة تتكرر كل عام مرة واحدة  لتحيي موات الأمة وتبعث فيها أهمية قيم الإسلام 
 وتذكر بأهمية السلام العالمي للبشرية .