صوماليلاند مدرسة للديمقراطية

شهدت جمهورية أرض الصومال في 31/05/2021 انتخابات برلمانية ومحلية (بلدية) متزامنة أفرزت نتائجها تقاسم الثلاثة الأحزاب الرئيسية على مقاعد البرلمان التي يبلغ عددها (82) مقعداً، حيث حصدت أحزاب المعارضة الرئيسية (الحزب الوطني 31 مقعد، حزب العدالة والتنمية "أُعِدْ" 21 مقعد) اي بإجمالي (52) مقعداً، في حين حصد الحزب الحاكم حزب التضامن (كُلْمِيَه) بقية مقاعد البرلمان التي تبلغ (30) مقعداً، بحسب النتائج النهائية التي أعلنت عنها لجنة الانتخابات فجر الأحد 06/06/2021م ..

نتيجة الانتخابات النهائية التي حضرها مراقبون دوليون ضمن بعثة الاتحاد الأروبي لم تختلف كثيراً عن نتيجة اخر انتخابات برلمانية شهدتها أرض الصومال والتي كانت  نتيجتها ( وطني 33 - كلمية 28 - أُعِدْ 21) وهذا ما يعني وجود حراك حزبي سياسي في هذا البلد الناشئ، كما يعطي صورة واضحة للمتابع الداخلي والخارجي عن عدم وجود استحواذ حزب واحد على التحكم بشئون البلد، ومصيرها، إضافة إلى وجود فرص متكافئة لجميع الأحزاب في خوض غمار الانتخابات والحصول على النتائج التي تعكس الحجم الحقيقي لها على الساحة الوطنية، دون تزوير او تلاعب بإرادة الناخبين، وبالمقارنة بين نتائج هذه الانتخابات في هذا البلد الناشئ والمظلوم والتي لم يحصل فيها اي من الأحزاب على أكثر من 40%، ونتائج الانتخابات التي تفرزها انتخابات غالبية بلدان العالم الثالث التي تدَّعي الديمقراطية والتي قد تصل الى استحواذ الأحزاب الحاكمة على ما نسبته 99% من أصوات الناخبين وهو ما يدفعنا الى أن نجعلها مدرسة للديمقراطية.

هذا وقد جرت الانتخابات بعد أن شهدت مدن وأقاليم أرض الصومال حراكاً سياسياً وانتخابياً شريفاً منذ مطلع العام الجاري 2021م، بلغ ذروته في شهر مايو الذي أختتم بإقامة هذا العرس الديمقراطي الكبير وأجريت فيه الإنتخابات البرلمانية والبلدية.

وتكتسب الانتخابات البرلمانية اهميتها في كون البرلمان هو المسئول عن اقرار التشريعات والقوانين ومناقشة الموازنة العامة للدولة وإقرارها ومراقبة تنفيذها واقرار الحسابات الختامية للدولة، الا أن البرلمان غير معني باختيار الحكومة وتشكيلها وذلك بسبب أن النظام الرئاسي هو النظام السياسي للبلد الذي يبلغ عدد سكانه ثلاثة 3.5 مليون نسمه وناخبيه المسجلين في السجل الانتخابي قرابة مليون وخمسة وستون الف صوت موزعين على خمسة أقاليم في مساحة تقدر ب 138000كيلومتر مربع، حيث يتم انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب وهو الذي يختار فريقه في الحكومة ويترأسها، كون شرعيته لا تقل أهمية عن شرعية البرلمان الذي يتم انتخابه من الشعب.

هذا وتعمل السلطة التشريعية في البلاد بنظام الغرفتين (مجلس النواب 82 مقعد يتم اختيارهم بالاقتراع السري المباشر - مجلس الشيوخ 82 مقعد يضم زعماء وسلاطين القبائل تضمن دستور الدولة آلية اختيارهم) تتمثل مهمة مجلس الشيوخ في الاقرار النهائي لمشاريع القوانين المقترحة من قبل مجلس النواب.

وبالعودة لمجريات ونتائج الانتخابات الأخيرة التي تركز اهتمام الجميع فيها على الانتخابات البرلمانية فإن هناك ثمة ملاحظات منها ايجابية يجب تعزيزها ومنها ما يمكن اعتبارها سلبية يجب تفاديها ومعالجتها في الاعراس الديمقراطية القادمة.

1. لجنة الانتخابات أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك في حياديتها ومهنيتها، وهو ما لمسناه من اجراء الانتخابات في موعدها المقرر وتسهيل اجراءات الاقتراع للناخبين وتنظيم الناخبين في مراكز الاقتراع، وارشاد الناخبين بمراكز اقتراعهم بالتعاون مع شركات الاتصالات، إضافة الى الالتزام بتوقيت الاقتراع من حيث الفتح والاغلاق والفرز واعلان النتائج، إضافة الى قبول الأحزاب والمرشحين للنتائج، والعدد القليل من الطعون المسجلة لدى لجنة الانتخابات.

2. الوعي الشعبي المتزايد وهو ما لمسناه من حيث عدم تسجيل اي حالات اطلاق نار او قتل او عراكات يدوية خلال فترة الدعاية الانتخابية والاقتراع وحتى الفرز، كما لم تسجل اي حالات اعتداء على لجان الانتخابات او الدعاية الانتخابية للمرشحين، اضافة الى الاقبال الكبير على صناديق الاقتراع من قبل كبار السن والنساء الحوامل والمرضى والمعاقين الذين أضافوا لطوابير الاقتراع نكهة انتخابية خاصة.

3. الخروج عن القبلية والاتجاه نحو المدنية ودعم مرشحين من خارج إطار القبيلة، حيث ألتف الناخبين حول مرشحين لا حامل قبلي لها، فأصبح الشارع قبيلتهم الكبيرة، (المرشح برخط جامع بتون - انموذجاً) والذي حصد أكبر عدد من أصوات الناخبين على مستوى صوماليلاند مقارنة بمنافسيه على المقعد، ومقارنة بزملائه الفائزين في بقية المقاعد.

4. أفرزت الانتخابات صعود جيل شاب مؤهل وقادر الى برلمان 2021م، كون الأحزاب دفعت بكوادرها وقياداتها الشبابية للتنافس على مقاعد البرلمان، حيث كان خلو الشوارع من صور المرشحين ذوي الأعمار الكبيرة الا ما ندر أمراً ملفتاً للإنتباه والإعجاب، وجعل من الحراك الانتخابي شبابي شبابي.

5. أفرزت الانتخابات الأخيرة غياب المرأة عن برلمان 2021م، وهو ما يشكل ملاحظة قوية يجب تفاديها في قادم الانتخابات والزام الأحزاب بكوتا نسائية، فالمرأة شاركت وبقوة في الانتخابات سواءً في ادارة العملية الانتخابية، او في الحملات الانتخابية للمرشحين ووقوفها كناخبة في طوابير الاقتراع وتم حرمانها من أدنى تمثيل في البرلمان.

أخيراً فإن تجربة الانتخابات في صوماليلاند وإدارتها ونتائجها يجب أن تدرس في دول العالم الثالث ليحذو حذوه ويستفيدوا من هذه التجربة الملهمة وحتى يعرف العالم عن بلدٍ ديمقراطي ناشئ يدعى صوماليلاند

تهانينا لأرض الصومال قيادة وشعباً بنجاح العملية الانتخابية، تهانينا للمرشحين الفائزين في برلمان 2021م.

 

عوض الشراعي

يمني مقيم في هرجيسا