لا.. الميسرية.. سيادة و حرية 

 

 

مقال ل : جمال لقم

 

    منذُ طفولتي و حتى اليوم ، كنت أشاهد و أقرأ عبارات و شعارات كُتبت على الجدران القديمة لمنازل قريتي في ستينيات القرن الماضي.. جميعها تُعبر عن المناصرة و المفاخرة و التأييد لمصر (العروبة) و لعاصمتها (القاهرة) و لرئيسها آنذاكر الزعيم الراحل (جمال عبدالناصر) .. لكني تفاجئت قبل أيام بعبارات أخرى حديثة ، كُتبت إلى جوار العبارات السابقة و جدران معظم المنازل ، لكنها كلها جميعها تشير إلى التأييد و المناصرة لشخص وزير الداخلية السابق احمد الميسري.. 

 

  كنت من سابق أستغرب و أتسآئل عن سر شعبية و حب عبدالناصر رغم المسافات ، و ها أنا أتسآئل أيضاً مرة أخرى عن سر شعبية الميسري.. فقريتي لا توجد بها قيادات بارزة حزبية او سياسية او عسكرية لكي تدعم او تتبنى مثل ذلك ، و لكي نفترض أنها كُتبت من باب المكايدات التي تعودنا عليها ، لذا فمن المؤكد أنها كانت عفوية و ليست ممنهجة ، و بالتالي فأن السر و الرابط بين العبارات السابقة و العبارات الحديثة يكمن في ان الشعوب على الرغم من إختلاف الثقاقات و بُعد الأزمنة و المسافات و على الرغم من عوزها و معاناتها ، الا أن الحرية و عشقها تظل مطلبها و ستظل أيضاً تدعم و تناصر و تحب الزعماء و القيادات التي تقود النضال إليها.. 

 

   (لا) على عكس رديفتها (نعم) ، نافية، سلبية، قانطة في بعض الأحيان ، هكذا توحي إلى نفوس البعض .. لكن هناك من العظماء أستثنوها من ذلك ، أذ أن هؤلاء أستخدموها سلاحاً في وجه المحتلين ، و جعلوا منها أمل للشعوب التواقة للحرية و المناضلة من أجل الإنعتاق.. هؤلاء العظماء منهم من قضى نحبه و دفع نفسه ثمناً لذلك و منهم من يناضل و ينتظر.. لكنهم جميعاً صنعوا تاريخ و مجد لإنفسهم و لشعوبهم.. 

 

   في الماضي القريب و حتى اليوم ، سنظل نتذكر البطل عمر المختار الذي رفض الإستعمار ، و قال لا لمغريات و حوافز الطليان و كان الثمن جره إلى المشنقة مفضلاً ذلك على (نعم) و نعيمها له دون شعبه ، لكن في المقابل تحول الشعب الليبي كله إلى عمر المختار و ثاروا على المستعمر و نالوا حريتهم .. قالها بومدين و رفاقه عندما حاول الفرنسيين طمس هوية الشعب الجزائري ، و كان الثمن مليون شهيداً ، لكن المقابل كانت الحرية و عودة الهوية الوطنية لبلادهم .. قالها عبدالناصر و كانت النتيجة حروب و حصار و مؤآمرات ضده و ضد مصر ، لكنه حافظ على السويس و سيادة مصر و دعم إستقلال دول الوطن العربي.. قالها صدام حسين في وجه إيران و الغرب و شنقوه و مازال وطنه يئن تحت وطأة الغزاة .. قالها القذافي فقصف بالصواريخ و مازالت ليبيا تنتهك سيادتها من بعده.. قالها عفاش في وجه دول التحالف و أعادها في آخر أيامه ضد إيران و مليشياتها ودفع حياته ثمن لذلك.. قالها أبو اليمامة في وجه طارق عفاش و الإمارات فأغتالوه قبل ان يرثها غيره.. و هناك كثيرون من مثلهم خلدهم التاريخ لا يفي المقام هنا بذكرهم..

 

   للميسري حكاية مع (لا) ... قال (لا) في وجه الإمارات رافضاً مغرياتها و حوافزها.. قال (لا) لإستفراد المجلس الإنتقالي بالقرار الجنوبي لتبعيته للقرار الإماراتي.. قال (لا) لإستفراد الشماليون بقرارات المؤتمر الشعبي و هرع في تأسيس المؤتمر الشعبي الجنوبي.. قال (لا) في وجه الحكومة ضد توقيع إتفاق (أستكهولم) الذي يضحي بدماء الشهداء.. قال (لا) لتصرفات معين و قرارات حكومته.. قال (لا) للذين طالبوه بتأييد المطالبة بتدخل الأتراك في اليمن لأن ذلك لا يعدو الا إستبدال سيد بآخر.. قال (لا) في وجه السفير آل جابر و تدخلاته في القرار الرئاسي و السياسي.. قال (لا) لإنتهاك سيادتنا و مصادرة قرارنا و نهب حقوقنا و الفتنة بيننا.. قال (لا) رفضاً للمزايا و الأغراءات في سبيل ان يكون تابعاً لا سيداً في أرضه و وطنه.. لذلك تآمر و تكالب عليه الكل القريب و البعيد.. العدو و الحليف ممن رهنوا أنفسهم و وطنهم للتبعية و العبودية.. 

 

   حكومة معاشيق اليوم تستجدي التحالف لمساعدتها على إطعام شعبها الجائع الذي يجوعه التحالف..

 

   كونوا رجال دولة كالميسري و أنفضوا التبعية من على ظهوركم و قلوبكم و عقولكم.. حينها ستطعمون شعبكم من خيركم و سيدافع الشعب عنكم و لن يتظاهر ضدكم مهما حاول السياسيون إثارته.. فالجوع كافر صحيح لكن الحرية هدف و قناعة لديه..