قحطان - فيصل - سالمين.. فجوة الحراك الكبرى

16

يقول ماركس: "كما أنك يجب ألا تصدق كل ما يقوله شخص عن نفسه، فإنك يجب ألا تقبل كل ما يصف به عصر نفسه".


يبقى التاريخ من صناعة المنتصر دائماً –أياً كان هذا المنتصر- وتأسيسا عليه فإن التاريخ السياسي للجنوب منذ 1967 – 1990، مليء بالتشوهات والأخطاء المتعمدة بحق الآخر، والتي هي نتاج لذات العقلية –أي عقلية المنتصر- في مختلف الصراعات السياسية التي كانت السلطة مصدرها الرئيس وفتيلها.


صراعات خلفت آلاف الضحايا وأودت بخيرة كوادر الجنوب وقادته التي يبكيها الغلابى والمقهورون حتى اللحظة، وسيبقى نحيبهم طويلاً لأنهم لم يخسروا أفرادا بل خسروا مشاريع التطور والنماء والرقي التي كان يحملها هؤلاء، وسيبقى "سالمين قدام.. قدام... سالمين محناش خدام"، صوتاً يبحث عن صدى يعيد لنفوس هؤلاء البسطاء الأمل في عودة شخصية المناضل الإنسان، قبل أن يكون حاكماً بأمره!


جاءت دعوة التصالح والتسامح والتضامن التي تعد الركيزة الأساسية للحراك السلمي الجنوبي بما مثلته في مضامينها الإنسانية السامية، الانطلاقة الحقيقية للحراك، جاءت اعترفاً بفداحة الأخطاء، ومحاولة لرأب الصدع وجبر كسر النفوس وإعادة الألفة والمحبة إليها والانتقال بها إلى مرحلة السمو وفتح آفاق أوسع للقبول بالآخر، الذي ظل محلاً للتشكيك والتخوين، واستبدال ثقافة الاغتيالات والتصفيات الجسدية بلغة التسامح والتضامن والحوار.


لذا فهي ليست دعوة يحلو التغني بها فحسب، بل قيم ينبغي التمسك بها وتجسيدها سلوكاً وواقعاً معاشاً، على أن المرحلة التي تلت تشكيل ملتقيات التصالح والتسامح تنتظر عملية تقييم منهجي محايد سلباً وإيجابا، بعيداً عن العواطف التي لا يليق بأصحابها ولوج ميادين النضال والسياسة، ومتحرراً من التعصب الذي يعود على صاحبه بالندم الذي لا ينفع بعد فوات الأوان، لأن النجاح في أي عمل إنساني لا يتوقف عند مستوى الاكتفاء بالقول "لقد نجحنا"، كما أنه مخطئ أيضاً من يتوهم أن تلك القيم النبيلة هي في مواجهة الجنوبي المتفق أو المختلف معه فقط، تلك نظرة ستؤدي إلى ضيق الدائرة وإغلاقها على من نريد ونحبذ وصولاً إلى إفراغها من مضامينها وأهدافها!


يحز في النفس ونحن على مشارف طي الورقة الأخيرة في روزنامة العام الرابع من التصالح والتسامح واستقبال العام الخامس، أن صور قيادات تاريخية للجنوب ذهبوا ضحية للصراعات السابقة، ما زالت غائبة عن فعاليات الحراك السلمي الجنوبي طوال هذه الفترة، في الوقت الذي لم يصدر من أبناء تلك القيادات أو ذويهم أي قول أو فعل مسيء للحراك.


مؤلم أن نتصارع ونختلف على صور القيادات التاريخية الموجودة في المنفى، وعلى المقاسات التي تكون بها الصور، ومؤلم أيضاً أن يظل حديثنا أياماً بلياليها نتبادل خلالها الاتهامات ونشكك في "هدف" من رفع صورة فلان، ونجعله صيداً لاتهاماتنا وشكوكنا، و"علكة" نلوكها في مقايل الثرثرة!


كم كنت أمني النفس ومعي بالتأكيد المئات، أن نشاهد صور (قحطان محمد الشعبي الذي سمع العالم صرخته المشهورة "أنا قحطان محمد الشعبي أعلن قيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية"، وفيصل عبداللطيف الشعبي وسالم ربيع علي "سالمين") ترتفع في أحد مهرجاناتنا، وأن نعيد لهم الاعتبار ولأسرهم. ليس العبرة بالطبع في صورة ترتفع بمقاسات تفوق مقاسات صور شهداء الحراك مجتمعين أو بألوانها الزاهية أو بمكان وضعها في ساحة المهرجان، العبرة بما تكنه القلوب من حب لهؤلاء القيادات الذين ستبقى ذكراهم محفورة في قلوب البسطاء والمقهورين من الناس.


إن قيم التصالح والتسامح تحتم علينا أن نحيي ذكرى هؤلاء، وأن نحتفي بهم كقيادات حقيقية غدرنا بها في لحظة "خسة بشرية" طغت على أصحابها، لذا علينا ألا نرضى لأنفسنا بذات الخسة، وأن ننتقل إلى واحات الوفاء ورد الاعتبار، وأن نجعل من ذكراهم أعياداً للاحتفاء بهم ودراسة سيرهم النضالية، التي ما زالت مطبوعة في وجدان كثير ممن عايشوهم، والذين يتذكرون أن "سالمين" على سبيل المثال كان يريد تحقيق ثورة ثقافية كما نفهم ذلك من خطابه في المؤتمر التعاوني الأول الذي عقد في عدن عام 1971، وجاء فيه ما نصه: "أن نشيع الثقافة، ولكن ليست الثقافة التعاونية فحسب، أيضاً الثقافة الوطنية الجديدة والأفكار الثورية، وأن نعمل على تعميم التعاونيات في كل أنحاء الجمهورية إن كان بمقدورنا ذلك، وأن نبذل كل الجهود لمحو الأمية داخل صفوف الفلاحين، لأنه من الصعب بمكان نجاح العمل التعاوني في ظل الأمية في الريف، وفي ظل عدم وجود ثقافة وثورة ثقافية في الريف".


الحراك السلمي الجنوبي مطالب اليوم بتحقيق ثورة ثقافية تستهدف الوعي المجتمعي لمحو أمية التصالح والتسامح، وللاستفادة من عبر الماضي ودروسه بنبل إنساني وحس وطني مجرداً من الولاءات للأفراد ومتحرراً من لوثات الذات والتعصب الأعمى للزعيم الأوحد.


لماذا إذن لا يتبنى الحراك السلمي الجنوبي بمختلف مكوناته وهيئاته إقامة ندوات أو فعاليات وفاءً وعرفاناً لهذه القيادات التي تجاهلناها خلال 4 أعوام من التصالح والتسامح الذي يراد له أن يكون وقفاً على صراعات بعينها؟
هل نملك القدرة في أن ننفض تراب الإساءة عن جزء هام من تاريخنا عرضناه للتشوه بأيدينا، وأن نعيد له الاعتبار، وهي إعادة اعتبار لأنفسنا أولاً؟ فهل نحن فاعلون؟