تفاصيل .. رحلتي مع الموت الى حضرموت

وانا اضع لسان قلمي ليسكب حبره في هذا المقال كأول مقالة تخطها اناملي بعد حياة اعتبرها ثانية كتبها الله لي من جديد من اوساط بقايا حطام لا يصدقه عاقل ان هناك اثر للحياة في هكذا موضع ...

 

مع تشوقي ولهفتي لتكن رحلتي الاعلامية هذه المرة شرقا ، صوب حضرموت الخير والتاريخ ، كرحلة عمر في حياتي، لتلك البلدة الطيبة التي ذكرتها ووصفتها الكتب السماوية وكتب عنها التاريخ وتغنى الشعراء بهذا الموطن الخلاب الجاذب للزائرين من كل انحاء المعمورة ،، وفي مخيلتي ضربة اعلامية مع هذا الحدث الثوري الجنوبي الذي اهيم في مخاضاتها حتى تكن لي موطئ قدم فيها كعادتي ووهبت نفسي معاهدا الله ثم الشهداء والثائرين كإعلامي متجول يتتبع الاحداث اينما كانت وتكون ..

 

ومع اشراقة صباح السبت الجميل يوم الـ 26 أبريل المشئوم انطلقت مركبتنا الخاصة برفقة خيرة الثائرين وانبل الرجال الاشاوس في الثورة وكانت واجهتنا صوب حضرموت ..

 

دقت ساعة الرحيل ما بعد التاسعة صباحا من مدينة الحبيلين بردفان متجهين واجهتنا الثورية لإحياء حدث جنوبي عظيم مؤملين من الخالق التوفيق في هذه الرحلة ، ولكل راحل في ذلك اليوم من ابناء الجنوب بمواكبه المتجهة صوب حضرموت والعاصمة عدن ...

 

دندنت النغم الثوري كعادة ابناء الجنوب في مركباتهم كانت تطربنا ونحن في طريقنا صوب مديرية الملاح المحطة الثانية بعد مغادرتنا الحبيلين والتي لم يعد اليها من خرج ثنائينا من خمستنا .. ونحن على مشارف الملاح اخترنا بالإجماع طريق مختصرا وسهل حتى نصل للهدف بسرعة كي نخفف شوق النفس التي تهفوا لهذا الحدث الجنوبي الهام وعبر طريق "الحرور" التي ستصلنا مباشرة بمحافظة أبين الثالثة والرابطة مع حضرموت قبل شبوة في هذه الرحلة .... متجاوزين قرى الراحة ودار شيبان والنقاط العسكرية التي تنتشر على جنبات تلك الطريق الترابية حينا ولأزفلتيه احايين كثيرة ,, توقفنا مرة واحد فقط بحجة اوراق ووثائق المركبة التي تحمل لوحة خارجية من احد بلدان الخليج وبعد ان اخذ الموضوع الشد والجذب بين قائد المركبة وقائد النقطة بالحجج الدامغة انطلقنا في تلك الطريق الترابية التي كان شهيدنا في رحلتنا منير حفيظ هو مرشدنا بحكم معرفته المسبقة بها لكنه اخطاء الطريق في النهاية ولو لا شباب أبين في احد المزارع لتحولت رحلتنا من حيث لا ندري ليشيروا الينا بطريق توصلنا بجعار هي اول محطاتكم لمحافظة أبين والتي وصلنا اليها والى جعار ذات الاراضي الزراعية الشاسعة التي تكسوها الخضرة يعاهدنا الشهيد منير ستكون له في المستقبل القريب مزرعة في تلك الارض الخلابة كفلاح ما بعد التحرير خلال دردشات كنا في المركبة نتداولها مثله الشهيد العم سعيد كان يتمايل مع الطرب اليافعي الاصيل محلل لكلمات الشاعر الاسطورة المشهور بن عوض اليهري  وكلمات " شفت الشمس بعد المغرب " التي تطلقها مسجل المركبة ،، وبحس كبار السن وحنينهم لماضيهم الجميل وحياتهم البسيطة كانت حكايات العم الشهيد سعيد حيالها مع مزحها لما وصلنا اليه الان من حال ،،هكذا واصلنا رحلتنا متجاوزين جعار صوب زنجبار والتي كان ينتظرنا افضل الرجال وصاحب الموقف الابرز في ما حصلت من مأساة بعد، انه العم صالح المطري برفقته مسن من أبناء المنطقة والذين عرفونا على احد المطاعم الشعبية التي تشتهر وتمتاز بها زنجبار الجريحة التي لعبت بها ايادي عبثية لا تحب الخير ، لكنها سترى يوما ما الامن والامان ان صفت القلوب وشمرت السواعد – في مطعم البادية - كانت اخرى وجبه يتناولها وتذوقها معنا الشهيدين منير وسعيد ونحن لا نعلم بالقادم المجهول والى اين تأخذنا الاقدار الالاهية .. فابن ادم مسير..

 

من زنجبار كانت الانطلاقة الطويلة بعد ان تجاورنا شقره وبحثنا عن مسجد على الطريق لتأدية فريضة الله من صلاة وكان لنا ذلك في احد المناطق النائية بمسجد بسيط صلينا قصرا وجمعا كآخر عمل سيلاقي فيه الشهيدين ربهم ، بعدها حزمنا امتعتنا صوب حضرموت ولم تبقى لنا الّا محافظة شبوة وعبر الشريط الساحلي ذات الالتواءات المفاجئة ومع العواصف والاتربة والرمال الكثبانية المتحركة على هذا الخط وفي عز صيف ساخن وحرارة الشمس اللاهب واصلنا رحلتنا بمعية مركبة العم صالح ومركبات كانت تنطلق حينا وتتوقف حينا تريد المشاركة في الحدث من ابناء يافع وردفان وشبوة وابين واصلنا الرحيل باحثين ومنشدين الحرية والتحرير واحاديثنا الثورية لم تخلوا من السنة الشباب خاصة عندما نقدم على نقاط يتمترس خلفها شباب من ابناء تلك المناطق بزيهم الشعبي البسيط يضربون التحية ويرفعون لهم اشارة النصر بإصبعيهم كعادة شعب الجنوب وتعددت تلك النقاط من منطقة الى اخرى نمرها ومع قربنا صوب منطقة خورة بالقرب بلحاف بما يعرف عين او بيئر بامعبد كانت هناك نقطة شعبية معها وعن احوالها دخل الشهيد منير والجريح عمار في مشادات عن شعارها من يقول علم الجنوب واخر علم الاحتلال مواصلين التحدي ليرن هاتف العم الشهيد سعيد باخر مكالمه يسمعها من زوجته او قريبه له يخبرها ويطمئنها عن قرب الوصول وامورنا على احسن حال في عالم الغيب ، واخبرها مازحا انه سيكون هذا الليلة عبر قناة عدن لايف بحجة ان مراسلها برفقته ولا يسمح التحرك قيد أنمله الا بلقاء تلفزيوني ستشاهد صورته اخباره هناك ولم يغلق العم الشهيد سعيد هاتفا وحلت الكارثة القضاء الاجل المحتوم النهاية التي شاء لنا الله ان تكون هناك انفجار لاطار السيارة وصفير وتمايل السيارة مع سرعة فائقة .. يالله يا رب يا رحمان .. ما ذا يحدث انا لله .. تمايل ثم تمايل ثم انقلابات فطيران من حيث لا نعلم صوب " كوم من الرمال المتحركة " تساقط الرفقاء تناثرت الجثث رميت الاجساد صياح وعويل والمركبة تطير في الاجواء بقيت انا كاتب التفاصيل في المركبة ماسك يدي في احد القبضات دعوات للرحمان باللطف اظلمت الدنيا في وجهة مع رضاء بالأقدار توقفت المركبة فوق التلة بعد ان تحطمت كل اجزائها ، بقدر رحمان رحيم لم اصدق كنت بانتظار الارتطام الاخير للمركبة كضربة قاضية لي ولمن تبقى فيها،  لكن هناك قدرة الاهية ورب يرى حال وحفظ بحفظه ، خرجت زاحفا من المركبة بعد ان دفن اجزاءها في الرمل لم يوجد بها أي شخص غيري يا لله فين القوم اين الزملاء رفقاء الرحلة والثورة خرجت من المكان الذي كان فيه عمار والعم سعيد بصعوبة  احمدك يالله واشكرك بما حل لنا " لك الحمد يا رب –

 

 انا لله وانا اليه راجعون " رأيت مشاهد صعبة ومؤلمة سيارة حطام اجساد مرمية على جنبات الطريق وفي الرمل كان اول الراحلين من المركبة الشهيد منير واول من قضى نحبة مباشرة عندما طار من المركبة اثناء الانقلابات والطيران وارتطم بمكان صلب خارج الخط ، صحت عليه شهد،، كبر،، لكنه قضى نحبه في الحال رأيت الدماء تخرج من اذنه وانفه وعيناه في منظر مؤلم عايشته كانني في الخيال وعلى مقربه منه شاهدت العم سعيد عمي! ما حصل لك؟

راسه كان تحته وعلى شكل الراكع رمته المركبة الى رملة وهو قاعد على رجليه،  اعتقد ان النخاع اصيب وانكسر مباشرة لم استطع عمل شيء في مشهد مخيف وسط صحراء قاحلة تعصف بي الرياح ودماء واشلاء كنا قبل ثواني مع بعض امامي هناك الجريح عمار يئن ويصيح سعد.... وجدته بجانب شجرة صغيرة بالقرب من العم سعيد  دماء تخرج بغزاره من راسة ضربة قوية تلقاها عندما طار،، اصابات في الجمجمة ومع المشهد المفزع حاولت انقاذه ربطت على راسه بما املك من بدلات وشالات على رقابنا حاولت اهدئه في حادثة لا مكان للهدوء وقتها رأيت يده ملتوي الى خلفه " مكسورة " بحث عن الشخص الاخر سائق المركبة" ياسر" ضنيت انه تحت المركبة مع سماع صياح وعويل لم اصدق نفسي ما يحدث امتعتنا وادواتنا مرمية تتطاير وجثث بجانبي وعويل جرحى ما اعمل؟ يا رب وعلى بعد الحادثة عن الخط العام بعشرات الامتار بحكم طيران المركبة، ونزول الجثث والجرحى في مكان منخفض لم يرانا احد ، كنت احاول الاسعاف ثم الصعود صوب الخط العام عند سماعي حنين لمركبات قادمه والعودة الى الجرحى مع التقاط ما تبقا من امتعة بحكم تناثرها والرياح تأخذ كل ما نزل من المركبة .. اول الواصلين سيارة قادمة من الخط المعاكس بعد خمس دقائق الى عشر  لأبناء حضرموت توقفوا لحظة شاهدوا المشهد سائلوني انت معهم غير مصدقين المشهد ولا زلت بكل قواي اتحدث واستجدي بهم الانقاذ يحاولن تهدئتي الامور قضى وقدر الان سيأتيكم الناس ,, هذا الكلام لهم .. لحظات وتمر سيارة العم صالح المطري مرافقتنا ربع ساعة الفرق بيننا وبينها حاولت ايقافها وهو مسرع لما يشاهدني لضبابية المكان والاتربة والعواصف اصيح اليه اصفر واشير اليه بيدي،  لم يشاهد الجثث فهي في مكان منخفض ما عدا المركبة في مكان مرتفع على الرمال ، لكنها بعد الحادثة تدل على انها هيكل قديم ,, هذا ما اكده لي العم صالح المطري بعد ان عاد وكان على وشك ان يختفي رجع وهو يرتجف ، ما حصل اليكم ابني؟ قضاء وقدر ! سنقوم بالواجب هل من تبقى ، نعم اسرعوا انقذونا عمار جريح واثنان شهداء ولحظة يظهر السائق بعد ان رمي الى مكان بعيد خلف كومة رمل ، يصيح ويئن ,, جرينا واخذنا به الى سيارة العم صالح ومباشرة جاءت سيارة من المواكب القادمة تتبع ابناء يافع الحد عرفونا على الخط مباشرة انتشروا يصيحوا ما احصل اليك يا سعدان فين رفيقك الرحلة " علي مديد"  هل مات من توفي ؟ لم استطيع ان ارد عليهم بكلمة كنت اشير اليهم ناحية الجثث في الاسفل تقاطروا اسرعوا وعملوا الواجب الانساني على ما يكون حملوا الجثث والجريح عمار بسيارتهم الهيلوكس اسرعوا الى مستشفى بلحاف ,, بقي العم صالح ومرافقه المسن يحملوا امتعنا وما تبقى بموقف سيسطر لهم مع ابناء الحد يافع وابناء حضرموت وشبوة ابين الذين توافدوا في هذا المأساة والجلل ..

 

اتصلت بالأهالي بعد ان عثرت على هاتفي مبعثر الاجزاء اخبرتهم ان حادثة بسيطة حدثت لنا والامور بخير حتى لا يقلقوا حتى ليفأجو بالخبر فقليلين الخير وناقلي الاخبار يغيروا ويصطنع الاحداث ، اتصلت بالعديد من الشباب من ابناء حالمين الذين سبقونا الى المكلا نخبرهم بالحادثة ومحاولة الانقاذ ولقيائي الى المستشفى ابن سيناء بحكم لا اعرف هناك غيرهم من ابناء المنطقة ،، رافقنا في رحلة الاسعاف ما بعد الموت رجل مسن من انباء ابين من مكان الحادثة ليرشدنا مشكورا عن مستشفى ابن سينا وكان يخبرنا عن المسافات بالقريبة حتى لا نقلق الجريح ياسر الفنيع كان يئن انتفخت بطنه اختفى صوته يا لله الراجل سيموت والعم صالح والابيني والمسن برفقتي يهدئون الموقف ويخبروننا بالصبر ،، وكان الرفيق يصيح بان المسافة طولت وهو على وشكل النهاية ،، سعدان أسئلك بالله ارمني هنا باي منطقة خلاص انتهيت .. اصبر اصبر اصبر الله مع الصابرين سنصل كنت متماسك بكل قواي والاتصالات تنهال وضعف شبكة الهاتف تحيل دون الرد احيانا ..

 

وصلنا مستشفى ابن سيناء بعد المغرب وكان هناك الرجال الاوفياء مثل هكذا مواقف في الموعد والانتظار بعد طول انتظار وبداء على الارهاق والانهاك والتعب وشعرت حيالها بكدمات ورضوخ ولم استطع التنفس ومباشرة اخذونا الخيرين الى الطؤارى لعلم المطلوب ،، فكنت الح عليهم الاهتمام بالجريح فحالته خطرة .. وهنا بداءت مرحلة التداوي .. وصريت بعدها على الخروج من المشفى بعد ان اخبرنا الاطباء بتحسن حالتي وليس هناك اثر غير رضوض بسيطة في الظهر وبعض الجراح بالأرجل كان المبيت في الفندق مع شباب حالمين ..

 

اليوم الثاني مع موعد الحدث العظيم مع تشييع الرفقاء وتوديعهم الى مثواهم الاخير من غير رجعة ليمتزج دمائها وجثثهم مع شهداء حضرموت والجنوب في صورة تجسد اللحمة الجنوبية عصر ذلك اليوم ونحن على موعد المهرجان الكبير في ذكرى اعلان الحرب انطلق موكب التشييع من مستشفى ابن سيناء بالمدينة برتل من السيارات حامين جثمان الشهيدين الرفيقين منير وسعيد صوب ساحة الاحتفال فصلي عليه صلاة الميت ثم حملتهم اعناق الملايين التي احتشدت في الساحات في مشهد مهيب ادمعت عيني على رفيقي في الامس حاملين جثمانيهم الى مقبرة يعقوب بالمدينة مودعيهم النهاية بعد ان كانوا ينشدون الحرية والاستقلال وقطعوا لأجلها مئات الكيلومترات في الفيافي والصحاري من اقصى الجنوب للمشاركة في هذا الحدث مع الملايين لإيصال صوتهم للعالم الحر  ومعاهدين الشهداء بمواصلة مسيرة التحرر فانطلقنا صوب الساحة نكمل المشوار مع الثائرين هناك رغم الحزن الذي اصابني لكن مشاهدة رجال الثورة من كل المحافظات تكتظ بها الساحة انسياني مأساتي التي ستخلد واستذكرها ما حييت  ، لما عايشتها من موقف حفظني الرب من بين حطام لا اثر للحياة فيه غير اشلاء واموات ،، وهكذا كانت رحلتي مع الموت الى محافظة حضرموت ..

اللهم لك الحمد والشكر على كل حال وفي كل حال واشفي جرحانا وارحم شهدائنا انك سميع مجيب ..