مؤسسة عدن الغد للإعلام | من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | ارسل خبر | نسخة الموبايل | نسخة القديمة | آخر تحديث للموقع السبت 06 يونيو 2020 12:54 مساءً

ncc   

عناوين اليوم
آراء واتجاهات
السبت 28 مارس 2020 08:15 مساءً

العبور من عدن إلى الضفة الغربية هرجيسا بأرض الصومال..

داؤود احمد

 

 

 خواطر كتبها: داؤود أحمد

 

  شاءت الأقدار أن تندلع شرارة الحرب مطلع صيف عام 2015 في عدن جنوب اليمن، فكانت حرب قذرة بكل ماتحمله الكلمة من معنى، حرب احتوت كل تناقضات الشرق الأوسط المنهك بالصراعات والاستقطابات (شمال، جنوب، سنةوشيعة).. فالمواجهة على الأرض كانت بين مليشيات كهنوتية حاقدة، قادمة من غابر التاريخ وشعب أعزل يحمل بجيناته المقاومة، رافضا الخنوع ومجرد الاستسلام لفكرة الطبقية القائمة على الحق الإلهي في الحكم..(البطنين ) عقيدة تستثير بها المليشيات الحوثية همم الأتباع كوقود لأطماعها السياسية.

    اشتدت الحرب.. فأنتقلت عائلتنا من الجزء الجنوبي لعدن حيث نسكن، والخاضع حينها للمليشيات الحوثية.. في ظل معارك ضارية دارت رحاها عبر الأزقة والطرقات أنتقلنا للجزء الشمالي من عدن "الشيخ عثمان"، مثلنا مثل باقي الأسر العدنية.

  اشتد بعد ذلك الحصار، وضاق الخناق على الناس وانتشرت الأوبئة، مما جعلنا نرضخ لنصائح الأهل المقيمين خارج البلد ودعواتهم بمغادرة عدن المكان.. لا عدن الوجدان، والعبور نحو جيبوتي المنفذ الحدودي الوحيد المتاح حينها ومن ثم إلى هرجيسا.. (هرجيسا)!! المدينة التي ترددت بصماتها الوراثية كثيرا عبر جيناتي ولا أعلم عنها إلاّ القليل.

    عبرنا البحر.. ثم واصلنا العبور جغرافيا عبر الممرات السهلة والوعرة، بين جيبوتي وهرجيسا عاصمة أرض الصومال، قال السائق الأربعيني : لو رأيتم هرجيسا قبل أكثر من عقدين من الزمان لما صدقتم أنها المدينة التي تعج اليوم حركة ونشاطاً، فقد جعلها القصف الجوي والمدفعي لحكومة الديكتاتورالسابق سياد بري .. ياباناً آخر .. وكأن الصور التي ألتقطت كما لو أنها من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إلقاء القنبلة الذرية عليها.

   راق لي وصف السائق الأربعيني كثيرا ، وبلاغة وصفه خلف مقود سيارته (اللاند كروزر) رباعية الدفع والذي بدا لي أنه ملما بالأحداث ومتحمسا كثيرا للفكرة الجمعية السائدة هنا القائمة على تعزيز مشروعية استقلال أرض الصومال (المحمية البريطانية السابقة الواقعة شمالا - وعاصمتها هرجيسا - ذات الحكم الذاتي) عن جمهورية الصومال الفيدرالي في الوسط والجنوب، وكان صاحبنا يصوب بعض المفاهيم والمصطلحات بالقول: (صوماليلاند وليست الصومال).. فكنت ابتسم ..محاولا استدراك الأمر سريعا حتى لا أبيت ليلتي بالعراء بين جيبوتي وأرض الصومال.

  كيلو مترات عديدة عبرناها نستمع لحكاياته بشوق وشغف يفصلنا أثير الـ (البي بي سي) بين حين وآخر، مشارف العنقاء (هرجيسا ) بدأت تلوح في الأفق المدينة التي نهضت من تحت الركام، تجولنا في ضواحيها قبل أن نصل لمقصدنا بيت (جدي القديم)، بدأت المدينة القديمة الجديدة.. متجددة مختلفة عن الصورة النمطية وما كانت راسخة في أذهاننا عبرالإعلام العربي الذي حاول مرارا تشويه هذا الجزء من الخارطة، لتخويف شعوب المنطقة الطامحة نحو أي تغيير.

 (الصوملة)!! اُستهلكت طويلا في خطاب الزعماء العرب حتى تبددت (الفزاعة) أخيرا بفضل (السوشيل ميديا) والصور من أرض الواقع القادمة من هنا، ساعد على عودة المغتربين من الخليج والغرب لبناء ما تهدم وبشكل متسارع وبخطوات ثابتة الأمر الذي عكس نفسه على التطور والتوسع العمراني وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات.

   تذكرت كلمات الأربعيني وأسلوبه في الإقناع وأيمانه بعدالة قضيته التي يحملها، وعزيمة الصمود وثقافة السلام التي ينشدها الناس ابتداءاً من سائق التاكسي إلى أكبر مسؤول حكومي، وعزيمتهم في المُضي صوب المستقبل برؤية واحدة تجمعهم كافة نخبة ومواطنين.

  تتجلى لك هرجيسا واضحة المعالم نهاراً ، متلألئة ليلاً من بين الكثبان، السحاب تزاحم سماءها، وزخات المطر تعانق صغارها، الشتاء قارس يشتد في كانون الأول، ويعتدل في نيسان، يميل الأهالي نحو النمط الأفريقي في البناء ، ويعتمد على التوسع الأفقي متعدد الحجرات، وبفناء واسع يحيط بالمبنى المفعم بالألوان .

   الخامسة عصراً، وقت مقدس يحتسي أهل المدينة فيه الشاي، توجهنا لمقهاية (عدانه) وسط المدينة، فالمعنى مشتق من البياض وهو(العدانية) كمصطلح تم تحريفه لاحقا، يجتمع فيه القادمون قديما وحديثا لاحتساء الشاي، ويتبادلون أثناء ذلك أخبار البندر والحرب المشتعلة رحاها هناك.. فعلى عراقة صوت إذاعة (البي بي سي) اللندنية، تعرفت على شاب عدني من المدينة القديمة (كريتر)، أستقر هناك بعد فترة من انتهاء عمله في الخليج، دار بيننا حوار طويل.. احتسينا معا (العديس) وهو كوب شاي ملبن حالي بلبن الإبل، فهرجيسا مدينة شديدة الاحتفاء بالشاي، أسرني كثيراً عن اشتياقه لأزقة الطويلة والقطيع وشعب العيدروس ومقهاية السكران ومخبازة صيرة، وعن عمله في الخليج، فسألته بشغف.. عن طبيعة حياته الجديدة هنا؟!!.. ابتسم وأثنى كثيرا على البلد وطيبة أهلها وعن الأعراف القبلية الأصيلة التي تجمعهم رغم زحف المدنية إليها ، وواصل حديثه بإسهام وبكثير من الحب، تفرقنا بعد شربنا (البجيس) هذه المرة وهو الشاي الأحمر الحالي جداً جداً جداً .

  الجمعة الأولى في العاصمة هرجيسا، نتجهز للصلاة، وخطرت في بالي العديد من التساؤلات: ما هي الخطبة الأولى؟! كيف ستكون؟! ماذا عن اللغة؟! تساؤلات عدة كانت تدور في مخيلتي وأنا أستجمع قواي وخبرتي في لف المعوز وضبط زاوية العمامة، نصل للمسجد، يعتلي الخطيب المنبر يبدأ بالحمد والثناء على معلم البشر بلسان عربي مبين، تم يُعلي من نبرات صوته فيتكلم عن البدع المنتشرة والمخالفات الشرعية بلغة صومالية رصينة، تتخللها أحاديث وآيات قرآنية تترجم هي الأخرى للغة المحلية.. يكمل شيخنا خطبته وصلاته، يعتلي المنبر مرة أخرى، هذه المرة لا للحديث عن البدع بل للدعوة إلى ترميم أجزاء من المسجد الصغير، يختتمها بآية تحث المصلين على الجود والكرم، يُخرج المصلون أجهزتهم الخلوية (الموبايل) سألت قريباً لي، ايش الموضوع ؟!!.. قال سيتبرع المصلون عبر برنامج (الزاد) وهو حساب تليفوني تقدمه شركة الاتصالات هنا، قلت:كيف؟!!.. قال: سيحول المتبرع المبلغ المالي عبر رقم حساب خاص بالمسجد، كل حسب مقدرته تبدأ من (10 $) تصل إلى (300 $) وتزيد أحيانا عند المقتدرين ، يواصل المصلون الجمع ويواصل الشيخ الترغيب حتى يعلن استكمال المبلغ المطلوب عبر رسائل تصله هو أيضا تحمل اسم المتبرع والمبلغ المرسل، ابتسمت طويلا وقلت في نفسي والله فكرة جيدة بدل الصندوق والازدحام بجانب الباب.

    قديما أطلق المصريون القدماء على هذه الأرض، أرض البخور والآلهة أو بلاد بونت، كهوف ومعالم أثرية كثيرة أكتشفت موخرا، تؤكد مدى أرتباط الأهالي بالدين منذ عرفت التوحيد عقيدة عبر (أخناتون).. وجاءها الإسلام نورا قبل يثرب عن طريق تجار زيلع.

  حقيقة.. مشاعر عديدة كانت تتجاذبني قبل أن أصل إلى أرض الصومال، مردها ما رسخ في عقلي الباطن من صورة نمطية عن هذا الجزء المختلف من العالم، سرعان ما انتهى عند احساسنا بالأمن الذي افتقدناه وبلطف المناخ.. فكان العبور مليئا بالشوق والخوف والدهشة .

"خواطر كتبتها قبل 6 أعوام ..أحببت البوح عنها.. ولم أجد غير(عدن الغد) الوسيلة الإعلامية الراقية لنشرها..

تعليقات القراء
453834
[1] تنويه -استحمل رذالتي-
السبت 28 مارس 2020
سلطان زمانه | ريمة
أولاً هرجيسا تقع على الضفة الجنوبية لخليج عدن مقابل عدن على الضفة الشمالية. ثانيًا داوود تكتب بلا همزة. ثالثًا تعودنا على إطلاق اسم ”بر الصومال“ على تلك الضفة. أرجو المسامحة.



شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها
الأيام
مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

الأكثر قراءة
مصدر مسؤول يكشف أسباب تحسن الكهرباء في عدن
رئيس الوزراء:لهذه الاسباب انا في الرياض وليس عدن
كيف تعامل (صالح) مع تحذيرات مسدوس له في منتصف التسعينات عن مصير الجنوب؟
قناة الحدث:تركيا بدأت تجنيد مقاتلين سوريين لارسالهم الى اليمن
حصري-اعتقال شخصين على ذمة قضية اغتيال الصحفي نبيل القعيطي 
مقالات الرأي
  سألتُ صديقاً من الشمال، وهو إعلامي وباحث وناشط حقوقي بارز، ولديه مؤسسة حقوقية وإعلامية مرموقة عن ما الذي
  سلمت الشرعية اليمنية أمرها للخارج منذ وقت مبكر من حقبة الحرب التي لازالت رحاها دائرة حتى اللحظة فكان
    مختار مقطري   صدر مؤخرا الالبوم الاخير للمطرب الشاب وليد الجباري، وقد احتوى على اغنية واحدة بعنوان(
موضوع الحسم العسكري في ابين هو يحتاج قرار سياسي أكثر منه عسكري .. الامور مترابطة دوليآ فسقوط حفتر ومليشياته
  وائل لكو بالرغم من ما خلفته جائحة الكرونا من مأسي واحزان الا انها لم تخلو من الفوائد التي اعادت الوعي
  # بقلم : عفراء خالد الحريري )  معقولة الى هذا المستوى من التبلد وصلنا نحن الجنوبيين ، كلما أنتفاض أحد أو
لقد كان خبر إستشهاد المناضل الجسور وصوت الحق نبيل القعيطي كارثة لم أكن أتصورها  لا زلت أتذكر مراسلاته لي
قبل أن اعرج للحديث عن موضوع عدن العاصمة على الورق اود التعبير عن اداتنا لجريمة اغتيال المصور
تَوْقِيتُ مُراجَعةِ الذَّاتِ هَذَا، لِلُمُضِيِّ قُدُماً لأبْعَدِ مَدَى، أو التوقُّّف لمُعاوَدَةِ ضبط
حضرموت لا تحتمل المزايدات اليوم ولايمكن أن تكون بمعزل عن الصراعات والقتل والدمار و آثارها المحيطة بها من كل
-
اتبعنا على فيسبوك