مؤسسة عدن الغد للإعلام | من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | ارسل خبر | نسخة الموبايل | نسخة القديمة | آخر تحديث للموقع الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 10:24 مساءً

ncc   

عناوين اليوم
آراء واتجاهات
الأربعاء 13 نوفمبر 2019 10:19 مساءً

طه حسين في عدن

في مقهاية السكران بكريتر كان لقائي ولأول مرة بالدكتور النابغة الأديب الناقد طه حسين الحضرمي ولم تكن لي قبله معرفة به إلا من خلال مواقع التواصل وذلك منذ أكثر من سنتين، ورغم هذا لم تحصل بيننا أي مراسلات خاصة، بل كنا نتابع بعضا بصمت .

وصلنا إلى المقهاية قبله فقد عرج هو على بعض المحلات ليشتري احتياجات وهدايا يعود بها إلى حضرموت إذ كانت زيارته إلى عدن منذ يومين لمناقشة رسالة الدكتوراه للأستاذ عبد الله الوبر.
جلسنا نتبادل أطراف الحديث مع الدكتور عبد الحكيم باقيس والشاعران المحوري والأحمدي وبقية الحضور ولدي محمد وأسامة وصهر باقيس وأبيه، وكان حديثا شائقا عن قضايا الشعر والأدب وخاصة قضية الشعر المنثور والتي يسميها بعض النقاد النثر المشعور، وطاف بينا الحديث إلى بدر شاكر السياب وأدونيس والمقولة الشهيرة للسياب (ترجمة جميلة للشعر الفرنسي ) ثم حثنا الدكتور باقيس على قراءة كتاب (العمدة في الشعر) لابن رشيق الملقب متنبي الأندلس، ثم أثير جدل حول قوة الكلمة وكلمة القوة فقال الدكتور باقيس هاهنا وفي هذا المسجد الذي يقف أمامنا(مسجد العسقلاني) وفي هذه الشوارع كان يسير الحافظ ابن حجر العسقلاني وكان هناك الكثير من الأمراء والكبراء .
فقلت أنا : لقد نسي هؤلاء الأمراء وبقي ابن حجر خالدا بخلود نتاجه العلمي والفكري. وأخذتنا أمواج الحديث من قضية إلى قضية، حتى قطع حديثنا قدوم الدكتور طه حسين بصحبة ولده عبد الوهاب فقمنا لاستقباله، فعانقنا واحدا واحدا، وكان يسأل عمن لا يعرفه، فلما وصل إلي قيل له : وهذا ناصر الوليدي، ففتح ذراعيه ضاحكا واحتضنني وعانقني كما يعانق الوالد ولده وضمني إليه بقوة وقال : وأخيرا ألتقيت ناصر الوليدي، وبعد لحظات عناق طبعت قبلة على جبينه الناصع الشريف تكريما لهذا العلم الكبير في دنيا الأدب والنقد الأدبي.
كان الرجل أبيض وسيما متوسط القامة ممتلئا دائري الوجه باسم المحيا، يشع من وجهه نور الطيبة الحضرمية، يعاني من عرجة يسيرة لعل سببها ألم في ركبته.
ما أن جلس على الكرسي حتى نادينا له بكأس من الشاي العيدروسي فنبه النادل أن يصنعه بدون سكر لأنه مصاب بمرض السكري.
أخذ يدير وجهه على الجلوس جميعا وينقل بصره بينهم ضاحكا، يعبر بضحكاته وحروفه عن مدى سعادته بهذا اللقاء الذي جمعه بمحبيه، فلما استقر به المجلس طلبت من الحضور جميعا أن يتركوا الحديث للدكتور طه لأننا في لحظة لقاء نادرة قد لا تتكرر.
فرحبنا به بين أهله وذويه ومحبيه في عدن وهو يرد الترحاب بأحسن منه حتى ليشعرك أنك أنت الضيف وهو المضيف.
قال صديقنا الشاعر المحوري : يا دكتور يكثر في حضرموت اسم طه حسين فهل لهذا علاقة بالنشاط الأدبي عندكم؟
قال : أما انا فمن سماني طه هو جدي أبو أبي وليس أبي وكان جدي قارئا للأدب متابعا له، وبما أن اسم ولده حسين فناسب أن يسمي حفيده طه حسين، على أني وإن كنت معجبا بأسلوب طه حسين السهل الممتنع وقرأت كل ما كتب إلا أنه لا يصل عندي إلى مرتبة العقاد، فأنا من أنصار العقاد، ولقد كان صاحب مجلة الرسالة أحمد حسن الزيات لا بد أن يمرر القلم الأحمر على كل مقالة تصل إلى مجلته لتجاز للنشر مهما كان كاتبها إلا كتابات عباس محمود العقاد.
سأله أحد الإخوة : دكتور طه متى كانت بداياتك مع الكتابة ؟
فقال : أول تجربة لي مع الكتابة كانت عبارة عن قصة قصيرة بعنوان ( الغصن العاري) أثناء فترة التجنيد الإجباري حين كنت مجندا في التواهي، فكنت أنزل من المعسكر إلى المدينة وأمر بعدد من الأشجار واعتدت أن أخرط ورق أحد الأغصان حتى أتركه عاريا ثم تولدت لي فكرة (الغصن العاري) وبهذه القصة شاركت في مسابقة القصة القصيرة لجمعيات الشباب.
وهنا وقف الدكتور ليلفتنا إلى فائدة في معنى كلمة الفعل(خرط) وذكر المثل العربي القائل (دونها خرط القتاد ) وهو يدل على الأمر الصعب فالقتاد شجرة كثيرة الشوك يصعب على اليد الإمساك بأغصانها فضلا عن خرطها. فقلت القتاد شجرة معروفة في منطقتنا شرق أبين.
كانت للدكتور باقيس مداخلات جميلة بحكم معرفته بالدكتور وقوة العلاقة بينهما فكان الدكتور باقيس يبدي بعض الملاحظات والاستطرادات أحيانا فينصت إليه الدكتور طه ثم يقول له : لماذا لا تتوسع في هذا الموضوع وتكتب فيه مقالة أو بحثا.
سألت الدكتور طه : كيف كانت بداياتك الأولى مع الأدب والثقافة والكتب ؟
فقال : بدأ مشواري مع الحرف وعمري أربعة عشر سنة حيث أخذني أبي إلى المكتبة السلطانية في المكلا وهذه المكتبة أسسها السلطان القعيطي وكان أول كتابين تقع عليهما يدي هما رواية السكرية لنجيب محفوظ ورواية واإسلاماه لعي أحمد باكثير، ومن جميل الموافقات أن رسالتي للماجستير كانت عن علي أحمد باكثير، وفي هذه المكتبة قضيت معظم ساعات العمر في تلك المرحلة فقرأت كل ما وقعت عليه يدي في الأدب نثر وشعرا وفي الفكر والسياسة والمذكرات والتاريخ وغيرها من أنواع المعارف، فلما وصلت إلى الثانوية اخترت القسم العلمي حيث كانت لي ميول علمية، أما قراءتي في الأدب فكانت مجرد هواية وشغفا، واستمرت علاقتي بالمكتبة السلطانية مع دراستي الثانوية، وفي تلك السنوات كان المد القومي والناصري يجتاح العالم العربي فكنا نقرأ كل ما يصلنا مما يكتبه القوميون والناصريون بالإضافة إلى القراءات في الأدب العالمي، وما تصدره مجلة الهلال من أدب عربي ومترجم ، فلما أكملت الثانوية جاءت الخدمة العسكرية الإلزامية فقضيتها في عدن وهنا أيضا نهلت من الكتب والمجلات، وكانت فترة حماس ثقافي كبير، وفي تلك الأيام كانت مشاركتي في مسابقة القصة القصيرة بقصة الغصن العاري والتي فازت فيها قصتي بالمركز الأول وحصلت على جائزة نقدية قدرها ثمانمائة شلن ( ٨٠٠ ) وكان راتب أبي حينها تسعمائة شلن (٩٠٠) فتعجب أبي وقال مبتسما: بخربشاتك تلك حصلت على ثمانمائة شلن.
وهذا دفعني لمزيد من القراءة والإطلاع، فلما أوشكنا على إكمال فترة التجنيد قدمت للدراسة الجامعية في كلية الزراعة كرغبة أولى فقد كنت محبا للزراعة، وقرأت فيها كثيرا، وفي كلية التربية قسم الكيمياء والأحياء كرغبة ثانية، فلما أعلنت النتائج ظهر أنني قبلت في الكليتين، ولكن قبل سفري إلى حضرموت عرجت على أحد قرابتي من خريجي كلية الزراعة وكان موظفا في لحج، فلما سألني عن نية دراستي الجامعية أخبرته أني نجحت في كلية الزراعة وفي كلية التربية قسم العلوم فنهرني وقال : يا أخي أنت إنسان ساحلي أين الزراعة في المكلا ؟ انظر إلى وضعي المتعب، تخرجت من الزراعة لأتوظف في لحج.
قال الدكتور : فكان كلامه ذلك سببا في أني صرفت النظر عن التخصص في الزراعة وعزمت على التوجه نحو مادتي الكيمياء والأحياء.
وفي كلية التربية فرع المكلا رفض قبوله في هذا القسم بحكم أنه تأخر، والعدد اكتمل فقال له المسؤول: نحيلك إلى قسم الرياضيات والفيزياء فقال: إلا الرياضيات والفيزياء فإني لا أطيقهما أبدا، فإن كان ولا بد فقسم اللغة العربية فقال له : لا يمكن قبولك في قسم اللغة العربية وتخصصك علمي، وبعد أخذ ورد قرر أن يخضع لامتحان شفوي على يد أستاذ اللغة العربية في الكلية، قال الدكتور ::فبدأ الأستاذ يسألني عن الشعر فقال : لمن تحفظ من الشعر؟ فقلت للمتنبي وغيره، فقال :أسمعني من محفوظك فأنشدته مطلع قصيدة :

بم التعلل لا أهل ولا وطن
ولا نديم ولا كأس ولا سكن

ثم قال : هات غيرها، وما زلت أنشدته للمتنبي وهو يستمع منتشيا فقد عرفت بعد ذلك أنه من عشاق المتنبي.
ثم قال : ولمن تحفظ غيره؟
فأنشدته من المعلقات السبع ثم أنشدته من شعر درويش وهو يطرب أيما طرب ثم أنشدته لصلاح عبد الصبور فتهلل وجهه فرحا ثم قال : والآن إلى الرواية فقلت له : الرواية فني المفضل، فقال : لمن قرأت؟ قلت : قل لمن لم تقرأ فقد قرأت لمعظم الروائيين العرب والروس والإنجليز وغيرهم فسردت له بعض مقروآتي في الرواية لنجيب مخفوظ ويوسف إدريس وآخرين، فقال : يكفي وزيادة، ثم سألني في النحو عن كان وأخواتها فقال : هل تعرف أخوات كان؟ فقلت ضاحكا : أعرف أخواتها وعماتها وخالاتها، ثم وجه لي بعض الأسئلة فأجبت عنها فقبلت في قسم اللغة العربية وتخرجت من الجامعة عام ١٩٨٦م.
ثم كانت دراسته للماجستير في كلية التربية جامعة حضرموت والدكتوراه في جامعة صنعاء.
وللدكتور عدد من الكتب والدراسات والبحوث، وحضر الكثير من المؤتمرات في اليمن وخارجها، وكتابات في المجلات المحلية والعربية.
ومن طريف ما ذكره عنه البارحة الدكتور باقيس حضوره مؤتمر في صنعاء وكانت تدير المؤتمر إحدى الأدبيات فقدمت جميع أصحاب البحوث إلا الدكتور طه والسبب أنه كان يلبس الفوطة والتي يفضلها الحضارم على أي لباس، فلما اكتملت البحوث أرادت المقدمة أن تنهي المؤتمر ولكن الدكتور احتج على تعمد تجاوزه، وبعد لأي سمح له بإلقاء ورقته فكانت لها قصة تشبه قصة قصيدة البردوني عن أبي تمام في بغداد( ماذا أحدث عن صنعاء يا أبت )
ومن الذكريات المؤثرة التي ذكرها الدكتور طه، أنه حضر هو والدكتور باقيس مؤتمرا في القاهرة، -- وفي جامعة القاهرة درس باقيس الماجستير والدكتوراه--- وفي ليلة من ليالي المؤتمر فقدوا الدكتور باقيس فلم يعد إلا في وقت متأخر ولكنه عاد مرهقا منهكا محمر العينين، فقال له الدكتور طه ضاحكا : وكأنك تريد أن تتذكر أيام دراستك في الجامعة وزمن الشباب والقوة.
ثم تبين أن الدكتور باقيس ذهب لزيارة ولده المدفون في مقابر القاهرة والذي مات أيام دراسته.
لقد كانت ليلة جميلة يفوح منها عطر تاريخ الأدب وذكريات الثقافة وأخبار العلم والعطاء، وكان عبق المكان في مقهاية السكران التاريخية وأزقة كريتر حيث مر الإنجليز وقبلهم البرتغاليون والطاهريون والرسوليون، وعلى مقربة منا كان مسجد العسقلاني حيث كان يخطب الشيخ محمد بن سالم البيحاني .
ذهبنا بعدها إلى مطعم ريم لتناول وجبة العشاء، وعلى العشاء أستأثرت وحدي بالدكتور لنكمل أحاديث متقطعة عن رحلات الرجل ومواقفه وفلسفته في الحياة.
بحق لقد وجدت الدكتور طه حسين الحضرمي من الرعيل الأول رجل مليء مختزن بالعلم والمعارف وكأنه موسوعة متنقلة أو دائرة معارف متنوعة، مع سلامة الصدر وحسن الخلق وعلو الهمة وطموح الفكرة وصدق اللسان وتواضع النفس ونقاء السريرة.
في الأخير طلبنا من الدكتور أن يؤجل سفره إلى حضرموت حتى يتسنى لنا الاستفادة منه وتوسعة دائرة اللقاءات إلا أنه اعتذر بمواعيد علمية وارتباطات اجتماعية ولكنه وعدنا بزيارة قادمة.
وفي الأخير أنوه أنه في خلال حديثنا مر ذكر الدكتور حسين حبشي ولمست في كلام الدكتور حميمية كبيرة تربطه بالدكتور حسين، كما وتكرر اسم طيب الذكر النابغة الفذ العالم الدكتور سعيد العوادي.
وأني لأتمنى أن يجمعني بهذا الثلاثي لقاء في أقرب وقت .



شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها
الأيام
مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

الأكثر قراءة
"بن بريك" تقدم استقالتها من الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي وتكشف السبب
مصدر امني : الانباء التي تتحدث عن مقتل إمام مسجد بالممدارة غير صحيحة
ساحة إعدام سابقة في وسط الرياض.. شاهدة على التحولات السريعة بالسعودية
ليلى بن بريك في تصريح لعدن الغد تؤكد استقالتها وتكشف عن فساد ومحسوبية داخل الانتقالي(فيديو)
الرئيس علي ناصر هل يرد الجميل لمن أنقذ حياته من جمل هائج كاد إن يقضي على حياته ؟
مقالات الرأي
اشتد مكرهم وكثر خبثهم  وازدادت  الجراحات  من افعالهم  ومع ذلك نقول لكم لا تقلقوا  يا ابناء اليمن .
بين الحين والآخر، نجد في بعض وسائل الإعلام مقارنات من نوع ما، بين النموذج الذي تمثله المملكة العربية
نعمان الحكيم وتكبر المعاناة وتزداد المأساة بسبب الحرب التي اكلت وتأكل اليابس والاخضر..ويُبتلى بنتائجها
كل ماحدث في عدن على وجه الخصوص لم يعد من الماضي الذي نتمنى أن ننساه ولكنه أصبح عند بعض المتشنجين من أبناء
  لم ينحني امام الاغراءات ..ولم ينكسر امام التهديدات الخارجية… بل قالها وبصوت مسموع امام الملا لن ولم
من الأمور المحيرة حين يسعى المرء إلى تحليل مواقف بعض الدول وسياساتها في إطار معين، أن تراها تتناقض كلية مع
ظلت عدن بؤرة مشتعلة لأكثر من أربع سنوات ولاتزال الحرائق فيها مستمرة حتى اللحظة،وظلت الجريمة المنظمة هي
لم يعد الصمت يجدي ...اغضب ياشعبي قالوا عنك شعب يبيع و يتسول ويستجدي... لقد اعجزني صمتك عن صمتك ... وكم يؤلمني صبرك
وطني يعيش أزمة ضمير ووطنية بين غالبية حكامه ومسؤوليه وزعمائه وكوادرهم ، تسمع عذب الكلام والخواطر وترى قبح
في تعليق سابق لكاتب هذه السطور تضمن رسالة إلى سعادة السفير السعودي لدى اليمن السيد محمد آل جابر، كنت قد أشرت
-
اتبعنا على فيسبوك